صارت الكتابة في السنوات الأخيرة أكثر إلحاحاً عند بول أوستر (1947). راح يحبس نفسه في القبو، يجلس بمفرده، وينكب على الكتابة سبعة أيام في الأسبوع. صار الروائي الأميركي أيضاً أكثر ميلاً للرجوع إلى الطفولة، وإلى أميركا التي كبر فيها، لكنه بقي مطارداً بهاجس الموت المفاجئ الذي سرق والده في عمر السادسة والستين. وربما لولا هذه الذكريات، لما أهدانا في عيد ميلاده السبعين مقتبل هذه السنة رواية «4321».


تحمل الرواية ملامح من سيرته الذاتية ولا تتنازل عن العوالم المتشابكة والهواجس والتفاصيل، فيما يحمّلها بوقائع من التاريخ الأميركي؛ الحرب الباردة، وحادثة إعدام الزوجين الشيوعيين روزنبرغ، وكينيدي ومارتن لوثر كينغ... إلى جانب تلك اللحظات التي تتفرّق فيها ــ بفضل المصادفة أو الفرص ـــ مصائر الشخصيات المتقاطعة، مجبرةً القارئ على الإنخراط في لعبة السرد كما في أيقونته «ثلاثية نيويورك» (1987) المترجمة إلى العربية. أخيراً، استكملت «منشورات المتوسّط» نبش عوالم أوستر من خلال إصدار ثلاثة من كتبه تحمل توقيع المترجم الفلسطيني سامر أبو هواش. الكتب الثلاثة تغطي الفترة الأحدث لأوستر من خلال «رحلات في حجرة الكتابة» (2006) المثقلة بمناخات العزلة الصرفة وبشياطين الماضي الداخلية لمستر بلانك الذي تلتبس عليه إقامته في الغرفة، فلا يعد يعرف ما إذا كانت إقامته إرادية أم لا. أصدرت الدار أيضاً إحدى آخر رواياته «صانست بارك» (2010) الذي يسيطر عليها هم البحث عن الهوية الفردية والجماعية في حي صانست بارك في بروكلين، بينما تستعيد الدار أبرز أعماله، أي مذكرات «اختراع العزلة» (1982) الذي سبق أن ترجم إلى العربية، لكن من دون القسم الثاني «كتاب الذاكرة»، الذي تقدّمه الترجمة الجديدة للمرة الأولى بلغة الضاد.