خلصت المقالة السابقة إلى القول بضرورة توحيد جهود ونضالات المجتمع المدني. ولكن التوحيد حول ماذا؟ وكيف يمكن المحافظة على التنوع داخل الوحدة؟

أظهرت المدارس الفكرية المتنوعة التي تناولت مفهوم «المجتمع المدني» وطرق تشكله وتحديد دوره... أنها ساهمت كلها في بلورة جانب من مقومات هذا المجتمع حسب الظروف التاريخية التي كانت سائدة وحسب تنوع المجتمعات والأنظمة السياسية والاقتصادية المسيطرة.

إلا أن العناصر الأساسية المكونة بقيت هي نفسها تقريباً والتي تتمحور حول الجانب الاستقلالي (عن الدولة والسوق) والجانب التطوعي للمجتمع المدني والتمايز عن الجانب الشخصي الذاتي المعبر عن المصلحة الشخصية، كونه ميداناً للاهتمام في «الشأن العام»، مهما اختلفت التوصيفات والمهمات.
في خلاصة الفكر الغربي تم تصور المجتمع المدني كميدان متميز عن الهيئات السياسية وسلطة الدولة من جهة ومتميز عن المصالح الفردية وعن إملاءات السوق من جهة أخرى. ويمكن أن نضيف من ضمن تميزات المجتمع المدني العربي، ضرورة التمايز عن السلطات الدينية والعسكرية. خصوصاً مع تداخل الديني بالسياسي بالاقتصادي - الاجتماعي عندنا بشكل كبير وخانق، ومع تداخل كل ذلك بالعسكري والأمني بشكل خارق أيضاً، إن لناحية وجود عسكريين في السلطات بشكل مباشر، أو لناحية التضخم في الموازنة الأمنية (في موازنات الدولة)... على حساب قضايا التنمية والبيئة.
ولكن هل يفهم من هذا التعريف أن «التميّز عن الهيئات السلطوية» على أنواعها، يعني استبعاد الأحزاب السياسية من ميدان المجتمع المدني أيضاً؟
وهل يفهم من التركيز على الجانب التطوعي، أن النوادي الرياضية على سبيل المثال جزء فاعل في المجتمع المدني كجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة؟!
لقد شكلت النوادي الرياضية في الفترة الأخيرة امتداداً لصراع السلطات (السلطوية والطائفية والمالية) من جهة وباباً مميزاً للإعلانات ولتسويق منتجات السوق من جهة أخرى، ما أضعف انتماءها والتزامها بقضايا المجتمع عامة وجعلها ميداناً وامتداداً للصراعات السياسية والتجارية والمذهبية.
صحيح أن تاريخ المفهوم (المجتمع المدني) وتجلياته قد أظهرا الكثير من التعقيدات في صلته بالشؤون السياسية، إلا أن أياً من التجارب التاريخية، لم تذهب إلى القول بالفصل التام، بالرغم من وجود حالات تظهر أن السلطات هي التي صنعت المجتمع المدني ومنظماته بشكل أو بآخر، واستفادت من وجودها لتبييض صفحتها.
كما أن تجربة المجتمع المدني في أوروبا الشرقية تقول إن طموح المجتمع المدني للتحرر من سلطة الدولة لا يفترض أن يغفل عن إمكانية الوقوع في براسن سلطة السوق وقواها.
في الخلاصة، إن تفعيل دور المجتمع المدني يتطلب التوسيع في أفق النظر والعمل... لا توفره إلا السياسة والتوجه نحو الدولة. فالقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعتمد على بعضها اليوم بصورة متبادلة ومتقطاعة (وقد كانت كذلك دائماً)... ولا مفرّ للمجتمع المدني من العمل السياسي والثقافي ومن أن يكون له مبادئ وقيم ومثل... يصبو إلى تحقيقها، كمثل تحقيق الخير العام والعدالة والديمقراطية والمساواة وحفظ الموارد وضمان حقوق الإنسان والأجيال القادمة، وعلى رأسها الحق في الوصول إلى الموارد وحماية ديمومتها وسلامتها.
قد لا يكون ضرورياً الانتظام بأحزاب سياسية، ولكن من الضرورة بمكان، دخول المجتمع المدني في العمل السياسي لتأكيد دور الدولة في تحمّل مسؤولياتها، بدلاً من التركيز على «الخطاب المدني»، بالمفرق. كما يفترض فك عقدة الخوف من الخطابات الشمولية والفكر الشمولي، فتداخل القضايا والمصلحة العامة تتطلب خطاباً أكثر عمومية.
ولا بأس بالفصل بين العمل السياسي والعمل الحزبي، باعتبار مهمة الأول المشاركة في صنع السياسات أو تغييرها وباعتبار الثاني طامحاً للمشاركة في السلطة أيضاً.
انطلاقاً من ذلك، قد يكون مفيداً (مرحلياً وعلى المدى المنظور) من أجل تحصين مثالية القضايا التي يحملها المجتمع المدني ومن أجل تحسين شروط الصراع، أن ينغمس في العمل السياسي بشكل أعمق من دون أن يكون المجتمع المدني مشروع سلطة، وأن يبقى في مكانه الوسطي بين الدولة والسوق (كما بين التمذهب والتعسكر). إلا أن ذلك لا يعفيه من رفع مستوى تنظيم صفوفه وتحسين خطابه وزيادة إنتاجه الثقافي الجديد وتقوية تمثيله للمجتمع (من دون الدخول ترشحاً للانتخابات البرلمانية في المرحلة الراهنة). وللحديث صلة، لا سيما حول النقطة الأخيرة التي تحتاج إلى نقاش.

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]