منذ عام 1980، حدث تحول في فرنسا: لم يعد فهم الإسلام هو المهم فحسب، بل فهم الإسلام السياسي أيضاً. لقد فضّل الجيل الجديد من الباحثين أمثال أوليفييه روا، فرهاد خسروخافار، فرنسوا بورغا، اعتماد مقاربة مختلفة لا تركز في الجدليات الدينية الإسلامية الكبيرة التي تعود بتفسيراتها إلى الماضي. لقد انتهجوا مقاربة لا يفسّرون بها الثورة الإيرانية عام 1979 بالعودة إلى الانشقاقات الحاصلة في صدر الإسلام التي أدّت إلى انقسام شيعيّ اثني عشري- سنيّ. مقاربةٌ لا يستخرجون فيها من السور القرآنية، ما يدلّهم على التطرّف الجهادي. يريدون فعليّاً فهم تلك الحركات السياسيّة التي تطالب بالعودة إلى القرون الأولى من النبوة الإسلامية، لكنّها في الوقت نفسه منخرطة اجتماعياً في الحداثة إلى حدٍّ معيّن: فالنشطاء الإسلاميون هم فعلياً نتاج التمدّن والتعليم الشامل، لا يصنّفون على أنّهم رجال دين ــ باستثناء واضح لنموذج الشيعية الإيرانية - بقدر ما أنهم نخبة مثقفة شابّة. هي مقاربةٌ جديدة يربط فيها هؤلاء الباحثون أيضاً، الظاهرة الإسلامية بديناميات ومتغيّرات سياسية: صدمة ضياع فلسطين على يد الاحتلال الصهيوني، والنكسة العربية عام 1967.

هذا الاهتمام الفرنسي بالإسلام السياسيّ، لم يكن يوماً في موقع دحض: إنّ آثار الحرب الأهلية الجزائريّة منذ عام 1990 على فرنسا، وتواجد اللاجئين التونسيين المقرّبين من «حزب النهضة» داخل الأراضي الفرنسيّة، جعلا من الإسلام السياسيّ إشكاليّة فرنسيّة. انطلاقاً من ذلك، جاء «الإسلام السياسيّ. التيارات، المذاهب، والأيديولوجيات» (المركز الوطنيّ للبحوث العلمية، باريس، 2017، 231 صفحة) الكتاب المشترك لسابرينا ميرفين ونبيل مولين، كاستجابة لمطالب السوق التحريريّة، على إثر موجة الاعتداءات التي استهدف بها «داعش» فرنسا في عامي 2015 و2016: محاولة العلوم الاجتماعية للردّ على المنشورات المعادية للإسلام.
يتوجّه الكتاب الذي يمثّل ثمرة تعاون بين سابرينا ميرفن ونبيل مولين، إلى شريحة كبيرة من الناس. ويمكن تصنيفه ضمن الأدبيات العلمية المبسّطة، متضمنّاً فقرات جانبيّة قصيرة تسمح بالاطلاع على نصوص لحسن البنّا أو لتنظيم الدولة الإسلامية (المجلة الجهادية الأوروبية، دار الاسلام). توحي مقدمة الكتاب بفكرةٍ مفادها ضرورة عدم اعتبار اللاهوتية السياسية، مجرّد مفصل مقتصر على العنصرَين الديني والسياسي: إنها أكثر من ذلك. هي قادرةٌ على تحويل هذين العنصرين إلى أشكال أخرى. ومن ثمّ، يمكن للقارئ أن يتساءل: إنّ عنوان الكتاب يتناول الإسلام السياسي، لكنّه لا يوحي بأنه كتاب حول الإسلام السياسي بقدر ما هو صورة بانورامية واسعة حول مناقشات ثيولوجية وسياسية كبرى استطاعت أن تحرّك العالم الإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر. الفصل الأول حمل توقيع أوغستين جومييه، وخُصّص لجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده ورشيد رضا، وينصح بقراءته بعناية: يفكّك جومييه هنا فئة «الإصلاحيين المسلمين» و«السلفية» التي عرفت اصطلاحياً عام 1930 على يد المستشرقَين الفرنسيين لوي ماسينيون وهنري لاوست. يتنقل المؤلفان في الكتاب بين موضوعَين: الأول يتعلّق بالإسلام السياسي: الإخوان المسلمون (ستيفان لاكروا)، والجهاديون («البحث عن الخليفة المفقود» نبيل مولين)، والشيعة الإيرانيون، والعراقيون واللبنانيون «في انتظار ظهور الإمام» (سابرينا ميرفين). أمّا الثاني فيتناول الطريقة التي يمتزج بها الديني بالسياسي داخل مجتمعات الأقليات: العلويون (سابرينا ميرفن)، الإباضيون (أوغستين جومييه)، والإسماعيليون (ميشال بوافين).


النشطاء الإسلاميون هم فعلياً نتاج التمدّن والتعليم الشامل

يشير ستيفان لاكروا إلى التأثير السلفي في بعض مكونات الإخوان المسلمين، موضحاً أنّ هذه الجماعة لم تعد تعتبر منظمة أُمميّة، إذ يخضع الإخوان اليوم لمبدأ الدولة القوميّة. «بهذا المعنى، فإنّ الأرخبيل الإخواني اليوم هو أقرب إلى الاشتراكية العالمية منه إلى الشيوعية العالمية» (ص 75). كما يصرّح نبيل مولين مؤكّداً «التطلّعات الوهابيّة نحو الهيمنة»، ومميّزاً «التأسيس الديني السعودي» عن «السلفية السياسية». وهذه الأخيرة هي ثمرة التهجين بين «العقائد الوهابية والتطلعات السياسية للإخوان» منذ الأعوام 1960 (ص 61).
يقوم أليكس فيليبون بتفكيك التّصورات المتعارضة ما بين «الإسلام الجيد» الصوفي، والإسلام السياسي المتطرف، ويضرب مثلاً بسادة الصوفية الأفغان، الذين كانوا جزءاً من التمرّد ضد السوفيات، خلال الثمانينيات.
النتيجة نفسها توصلت إليها لولوة الرشيد، طارحةً أسئلة حول جدليات الأخوية الصوفية، النقشبندية العراقية، التي تبنّت الدّفاع عن «الهوية العربية والسنيّة»، مما كلّفها دفع الثمن عبر تحالف غير مألوف مع تنظيم الدولة الإسلامية. أمّا سابرينا ميرفين، فهي تعارض التصور النمطي المبسّط لـ «الشيعية الثورية، الفاتحة، أو حتى الثأرية»، من أجل وصف علاقة العلماء الاثني عشريين بالحداثة منذ بدايات القرن العشرين. سامي دورليان مهتمّ بالزيدية المعاصرة في اليمن، حيث «التغيير السياسي» تقدميٌّ، بدأت تظهر ملامحه قبيل العدوان السعودي عام 2015، وقد دفع بهم هذا التغيير للانتقال من «الثقل السنيّ التاريخي نحو مخاطر المجهول في الانحياز للشيعية الجيو-سياسية» (ص 164). بالنسبة إلى أوغستين جومييه، فإنّ الإمامية الإباضية التقليدية قد انخرطت، في المغرب كما في عُمان، في مقاربة دفاعية إباضية عنيفة، معبّرةً عن تراث ديمقراطيّ في الإسلام (ص 187). ويختتم الكتاب بدراسة لميشال بوافين انفردت بموضوع الآغا خان الإسماعيلي، المتأثر بالمقاربة الإنغلوسكسونية للمبادرة أكثر من تأثره «بأسلافه الفاطميين الذين قادوا الإمبرطورية المصرية» (ص 189).
هناك نقصٌ في الكتاب المتوجّه أساساً إلى المبتدئين، إذ لم يتم ذكر الآراء الخلافيّة المعاصرة الكبيرة حول الإسلام السياسي. لقد تجاوز الكتاب المناقشة الدائرة بين فرنسوا بورغا الذي يؤكد بشدّة على دور المتغير السياسي والاستعماري في صعود التكتّلات الإسلامية، وبين أوليفييه روا المتمسك بفَرَضيته حول النزعة غير المسيّسة للحركات الجهادية، والمتأثرة بعملية تثاقف عدمي نتيجة العولمة المعاصرة. يمكن أن نقول بأنّ الكتاب متعارضٌ فيما بينه: هو يستجيب لمتطلبات السوق التحريريّة من دون أن يأخذ في الاعتبار الجدليات المعرفية الكبرى التي تجتهد في توصيف الظاهرة الإسلامية. يمكننا أن نطرح هنا سؤالاً أخيراً: إذا كانت البحوث الأكاديمية الفرنكوفونية حول أشكال الإسلام السياسي المتعددة غزيرة بهذا الشكل، ماذا عن الفاعلين الأساسيين المعنيين بالأمر؟ وكيف يتم تلقي هذه الدراسات في العالم العربي والإسلامي؟
* باحث في البرنامج الأوروبي (عندما تفشل السلطوية في العالم العربي، مجلس البحوث الأوروبي)