يضع أسامة كوكش كائنات روايته الأولى «سيتي سنتر: سوق البسطة» (الدار العربية للعلوم - بيروت) تحت المجهر. طفيليات بشرية تسبح في مستنقع لا أمل بالنجاة من عفونته، أو الهرب من روائحه الزنخة. ههنا راوٍ ينبش القاع السفلي لمركز المدينة بدراية وعمق. وإذا بنا إزاء دمشق أخرى نكاد نجهلها سردياً لفرط خشونة طريقة العيش وهتك أرواح شخصيات وجدت نفسها غارقة في الوحل كمحصلة لألعاب شخصيات تعمل في الظل والغرف السريّة، تدير خيوط دمى بشرية، من دون أن تلوّث يديها بقذارة ما يحدث. هكذا سنتعرّف إلى «سوق البسطة» وبشره، من دون أقنعة، إذ لا أبواب مغلقة. يكفي أن نزيح الستارة قليلاً حتى نكتشف أحوال العري الحسي والروحي. أرواح قذف بها الشقاء إلى هذا المكان لتتموضع في زوايا هذا المكان بلا هوية راسخة. تكفي جولة تقوم بها دورية شرطة حتى تزعزع أسباب الطمأنينة المؤقتة بما يشبه الاستنفار خشية بطش رئيس الدورية. ذلك أن كل البشر الذين انتهوا إلى هذا المكان لم يعد لديهم أي ملجأ آخر.

هذه الجغرافيا المؤجلة بسبب صدور قانون الاستملاك، وهدم جزء من المكان لمصلحة مخطط تنظيمي جديد لم يُنفذ، عدا بناء جديد لمديرية الاستملاكات العامة، أصبحت مكاناً للمتسولين والنشالين وأصحاب السوابق.
عالم سفلي متشابك، أسماك تتخبط في مستنقع معتم، تحت سطوة مثلث (مدير الاستملاكات، ورئيس البلدية، ورئيس مركز الشرطة). على مقربة من هذا السوق، تدور وقائع أخرى في «فندق الرحاب» الذي تهبّ من غرفه السرية رائحة الزنخ البشري وانتهاكات الجسد. الفندق الذي أُقيم على أنقاض شركة تجارية عريقة تمت مصادرتها من أصحابها لمصلحة المخطط التنظيمي الجديد. نساء ضالات قذفت بهن أقدارهن إلى أسرّة الغرباء، وسطوة الشرطة، وأسباب العوز. هكذا تتشابك الأحداث تدريجاً في مشهديات متتالية أقرب ما تكون إلى الفضيحة المتنقّلة، من خيمة أبي داغر للمتعة الخاطفة، وبيع الأفلام الإباحية، والتبغ المهرّب، مروراً بخيمة غازي لتصنيع الكحول الرديئة، إلى زيرو المطعون بشرفه، وانتهاء بخيمة عبد الغني الشاعر لبيع الكتب بعد هدم مكتبته.


مُنع العمل من الطباعة والتداول في سوريا

عدسة بانورامية تخترق الجدران الشفيفة لسوق البسطة من دون مهادنة أو مونتاج، قبل أن تشتد الصراعات بين ثلاثي المكان، فالهدنة المؤقتة بين مدير الاستملاكات العامة ورئيس البلدية ومدير مركز الشرطة تتخللها الريبة والمصالح الشخصية والتلاعب بمصائر الآخرين في صفقات مشبوهة تجرى في الردهات السريّة للمكاتب الرسميّة بموازاة برنامج سردي يعتني بتظهير الصورة على مراحل، إذ تتناوب الشخصيات على احتلال الواجهة، تبعاً للمصائب التي تتلقاها على هيئة صفعات متتالية، فالشرطي أبو غسان زعيم السوق ينتهي بلقبه «الملك» إلى السجن بأمر من مدير المركز بعد أن يتجاوز حدوده في العنف. كما سينتهي أبو الوفا إلى الجنون إثر تلفيق قضية تزوير ضده وطرده من عمله في مديرية الاستملاكات، وصولاً إلى الحريق الغامض للسوق. كما ستلتهم النيران فندق الرحاب، في عملية تهجير قسرية أطاحت بآمال هؤلاء البشر الذين يعيشون على حافة الهلاك. لم يكن أسامة كوكش سائحاً في تشريح تضاريس السوق، أو طارئاً على يوميات القاع، فهو عاشه عن كثب في مهنٍ متعدّدة، استثمرها لاحقاً كمخزون حياتي مدهش في بناء عمارته الروائية، وإن بدت في بعض مفاصلها، أقرب ما تكون إلى المادة الخام الدسمة في طرائق السرد وتفكيك الوقائع، نظراً إلى تأثره بالكتابة التلفزيونية لجهة استعمال الأفعال المضارعة في الوصف، واستخدام العامية في الحوار بين الشخصيات، والإغراق في نبش الهامش، فحضر السيناريست وغاب الروائي. نقرأ «سيتي سنتر» من موقع المفارقة بين ثقافة «المول» المؤجلة، وثقافة البسطة في صراعهما على مفهوم المدينة الحديثة وخلخلة حضورها بتسرّب الجمعيات الخيرية الغامضة كطرف سرّي في تقاسم الغنائم. كما سنفتّش عن موقع السوق، وفقاً لخريطة الوصف، لنجده في «سوق الحرامية»، أحد أشهر الأسواق الشعبية في دمشق لبيع الأثاث المستعمل مجهول المصدر. وربما تكمن أهمية هذه الرواية هنا، باختراقها أسرار هذا المكان وبشره المخذولين ومجرياته المحرّمة، الأسرار التي لم تقربها الرواية السورية قبلاً، بمثل هذه الخشونة اللفظية. على الأرجح لهذه الأسباب، مُنعت الرواية من الطباعة والتداول في سوريا بدمغة الرقيب في «اتحاد الكتاب العرب»، كأن الزمن توقّف به عند مؤشر ساعة ساحة المرجة المعطّلة من القرن المنصرم، الساحة المتاخمة لسوق الحراميّة بكل صخبه وعنفه وعفنه.