تقوم الكلمات بدور الناقل للوقائع إلى الآخر، والشعر كذلك، يثبُ من غصنٍ إلى غصن كعصفور لينقل الحكايا الصباحيَّة التي يبصرها. هذا ما يفعله الشاعر الفلسطيني السوري محمد أبو لبن في ديوانه «تمارين على الجدوى» (دار ممدوح عدوان)، كأنّ القصائدَ رسلٌ لها ما لها من خفّة الأرواح. في نصّه الأوّل: «مسّ اللحظة»، تمرّ جملة شعريَّة تفتح الآفاق لبداية القراءة والغوص في تفاصيل أرق الشعر، خلل عصرنا الرّاهن: «قدمٌ في الذكرى/ وأُخرى على سفر». تبدأ هذه الجملة برسم ما سيكون عليه الشعرُ في الصفحات المقبلة. ستغدو عناصر التكوين الشعريَّة ملموسةً: «الغياب، الذكرى، الغائبون، الغرابة». وكعدسة كاميرا، يصوّر أبو لبن، عبر اللغة، الشخوصَ وهم يغيبون، لا بل يدعونَ إلى مراقبة الغياب، ويبلغنا، بخفّةِ عصفور، بأنّه ابنُ الغياب: «لستُ عابراً ولا مقيماً/ ولا ابناً ضالّاً/ شبه حزينٍ/ أو وحيد/ أو تائه/ شبه فارغٍ ربمّا/ بيدي ورقةٌ من ريح/ تذوب شبهاً/ بين الحياة وفُرجتها». الأكثر قسوةً وإيلاماً في أيّ نص هو مقاربته لما يجري في الزمن الرّاهن، أي الدنوّ من المجريات شعريَّاً مع الحفاظ على مسافةٍ معيّنة تتيحُ للقارئ إمكانيَّة التخيّل والغوص في التفاصيل الأليمة.

ورغم بساطة كل شيء وصعوبة كل شيء في آن، تغدو الوقائع معروضةً عبر الكلمات بسلاسة وليونة. لا شكّ أنّ البساطة هي الأمُّ الأولى لكلّ شعر، وهذا ما يتجه إليه «تمارين على الجدوى» الذي يركّز على الغياب فكرةً وفلسفةً، لتتحوّل القصيدةُ إلى بابٍ يطرُق عليه ليُفتَح ببساطةٍ ويلفظَ - كآلةٍ للزمن - كلّ حيّ ويعبر به الحَكَايا والأزمنة الغابرة. هكذا يصرخ أبو لبن شعراً، فيتسنّى لنا نحن القرّاء سماعَ الصّرخة رغم كونها خفيضة النبرة: «يحيا الغياب، غريباً عن كل أسمائه وأشكال حضوره/ معلقاً على الريح/ عند خط الأفق/ لا يمضي ولا يعود». لا مفهوم للبساطة في الشعر سوى اللغة المتينة والمسبوكة بإمعان وتأمّل مع خلفيَّةٍ تعبيريّة تكادُ تشبه «إكسسوارات» المسرح لتضفي الرّهبة عليها أثناء التوغُّل في الكتابة/ الأداء. تصبح اللغةُ عابرةً للتخيُّلِ واستنهاض الغياب، ويأخذ الاضطراب والتوتّر ثيمةً واضحة، غير مبالغ فيها، للتعبيرِ عن قساوة الغياب وطراوته في الوقت عينه. تجمع مجمل نصوص المجموعة على البساطة كسيّدة للموقف، وتشدّ القارئ من يده كأنّ كنزاً دفيناً ينتظر منذ سنواتٍ. بحركةٍ تخيليَّة، يمكن المضي مع الشاعر بكلماته، والاحتفاء بالغياب مجدداً كعنصرٍ شعريّ يوقظ الرغبة في أن تكون أنتَ/ القارئ هو الغائب: «كل ما يملؤني صوتٌ في داخلي/ لأغنيةٍ ربمّا كانت تقول:/ كم هو حقٌّ أن أمشي، وأمشي/ حتى لو لم توُصلني السبل». إضافةً إلى البساطة كمكوّن للقصائد، تأتي الغرابة لتجد لها مكاناً كذلك. تكوِّن الغرابة هنا الغياب، أو ربمّا تبدو كتتمّةٍ للخوض في تفاصيل المحكي عن الغياب: «وكان يمكن للخيال أن يبقى شريداً/ لولا الحلزون الصغير على زجاج النافذة/ يحمل أبداً صغيراً على ظهره/ ولا يترك خلفه غير خيطٍ لامعٍ/ من عدمه». تكوينُ الغرابةِ ومزجها مع البساطة لغةً تعطي بعداً جمالياً للمكتوب. هذا دأبُ الشاعر في تصفية كل ما هو زائد والاحتفاظ بالمكثّف معنىً، كما في قصيدة: «المدينة برسم الخوف».


كأنّ القصائدَ رسلٌ لها ما لها من خفّة الأرواح
يدلّ العنوانُ الغريب على الذكرى والغياب في ذهن الشاعر. تعودُ الغرابةُ بكامل أناقتها لتشكّل المشهد السينمائي للمدينة التي لا يغادرها الشاعر ولو غادرها! المدينةُ التي يؤوب إليها متى شاء باستخدام اللغةِ شعراً: «لا يجدُ الحيّ متّسعاً لنَفَسه/ بين أصوات الرصاص والخبر العاجل والهذيان المتأرجح/ بين الألم والأمل/ لا شيء يُدنيه أو يقصيه/ الموتُ حاضرٌ كعادة/ الحياةُ نَفَسٌ واحدٌ معلَّق/ السماء تحمل دويّاً بعيداً/يقترب». كلّ شيء بسيط وغريب في تمازجٍ مرتّب، المواعيدُ بسيطة والأوقاتُ كسولة. ثمّة أنسنةٌ لكلّ شيء وغوصٌ في التفاصيل، كأنّ الجدوى هدفٌ للاعتياد عليه تمرُّناً. في هذه اللحظة من الزمن «العربي»، يتمرّن الشاعر على الجدوى، الجدوى من كلّ شيء. تأتي تلك التمارين/ شعراً على شاكلة لغةٍ/ قصيدة، مثل التمرُّن على الموت صدفةً، أو عندما «يتحوّل طريق العودة إلى البيت طريقاً مفتوحة الاحتمالات» كما يشير إليه نصّ: «ترويض الصدفة». القذائف التي تتهاوى، القذائفُ دليلَ الموت المجانيّ/الاعتباطي خلال هذا الزمن الذي نعيشه. المكان غير محدّد، ربمّا هو مكانٌ ما بعيد، خياليّ، إنّما الترويضُ يجعل منه مكاناً أليفاً اعتدناه ونعايشهُ في يومياتنا: «سأعيشُ لأروي/ كيف ضاعت خرائط الممكن والمستحيل/ وصارت حدود البداهة تُرسم في كل لحظةٍ/ كأن تكون العودة إلى البيت رحلةً مفتوحة الاحتمالات». حكايةُ مجاراة الموت اليوميّ والدنوّ منه، مجازاً أو حرفيَّاً في الشعر العربي، بدأت منذ أوائل زمن اندلاع ثورات الربيع تتشكّلُ صوراً نقرأها منعكسةً الآن في صراخ الشاعر: «وأصرخُ،/ هل من أثرٍ هناك في النهاية؟». يأتي ذكر المدن في قصائد المجموعة باستِتارة وبتخفٍّ تارةً وبِجلَاءٍ صارخ تارة أخرى، حيث المدينةُ متكئةً على جثث الموتى أو مستيقظةً مرعوبةً من أصوات القذائف وطَلْقات الرصاص العشوائية في كل شبرٍ من أرجاء المكان/دمشق. أو حيث تجرّ الحربُ أذيالها الضخمة وسط المدينة التي تفسّر ألَم قاطنيها ورغباتهم التي باتت تتقلَّص إلى بصيص أملٍ بالنجاة فقط، حتّى ولو كانت النجاة متجسّدة في الابتعاد عن المكان: «أن أعود إلى البيت سالماً/ أن أحتسي قهوة أمي في الصباح/ كل شيءٍ شعّ لحظة الانفجار/ صار المكانُ نجماً/ ظلّه انعكس على الغيم/خبا من بعدها/ وخبا/ حتى تحسَّستُ ثقباً أسودَ في ذاكرتي».
يغوص الشاعر في تفاصيل الابتعاد عن المدينة وكسب صفة اللاجئ، إنّما في الحال هذه، المكان هو الذي ابتعد وليس الإنسان. يتمنى الأخير أن تقضي الحربُ عليه كي يبتعد عن مشاهد الموت مسترخياً إلى الأبد، لأنْ: «لا عبرة تُرجى من الحرب/ الناجون منها يتمنون اليوم لو قضوا فيها/ لطول الموت الباقي أمامهم...». هناك خيطٌ واهٍ بين العيش في سلام وبين الموت بشظيَّة، بين العيش في المدينة الأمّ وبين التنقُّلِ في أرجاء البلدان الشقيقة التي لا تختلف الأجواء والآلامُ فيها: «بيروت حقائق مؤكدة/ ولا دليل على أي منها/ بيروت كيف يبدو وجه الحرب بعد الحرب؟/ أغانٍ قديمة وحكاياتٌ يموت رواتها بلا اسمٍ مستعارٍ أو رتوش». إذن، الحرب والمدن والغيابُ والذكرى، هي عناصرُ تتوغّل مجموعة «تمارين على الجدوى» في أجوائها، معتبرةً الشعر دليلَ كل ما ذُكر من عناصر. عبر اللغة، يغوص الشاعر في عمق العناصر، لتبدو واضحة كمشهد جليّ كتابيّاً؛ المدينةُ إذ تطرد قاطنيها وتطلبُ منهم الرحيل، ثمّ الغوصُ في حبّ كتابة اسم المدينة: «سبع مدنٍ عشتها بثلاث لغات/ لم تزد حولي إلّا كثافة الضباب/ تفرّجت كل يومٍ على بلادٍ تُضنى وتُدمى ثم تُذرا/ قاسية وفاضحةً كعادتها/ حتّى في موتها». الكتابة هنا مشغولَةً بالنَّفس البسيط. هكذا يمضي أبو لبن في الكتابة ليغذّي الأحرفَ بالمعنى البسيط، من دون أن يجادل أحداً سوى الكلمة، والكلمة وحدها.