قبل 64 عاماً، وصف المؤرخ عجاج نويهض (1896-1982)، عبدالكريم الخليل في رسائل منفصلة بعث بها إلى عدد من أقاربه بأنّه «شهيد العرب الأول... وشهيد العرب المكرم... ومِشعل العرب الأول». وقال عنه إنه «القائم بأمر المنتدى (الأدبي) ولسان حال العرب في الحركة (العربية مطلع القرن العشرين). فبروزه القومي لا يجعله قائد الرعيل ورأس القافلة وكفى، بل كشف بأخلاقه الفريدة عن شخصية نادرة المثيل في التجرد والإخلاص، ودفعت الناس بكل قواها على القضية العربية». واعتبر نويهض أن «تدوين سيرة عبدالكريم الخليل، الذي أصبح مجرد اسمه رمزاً إلى التضحية الخالصة لوجه الله والوطن، لا يقتصر على كونه واجباً قوميّاً، بل إن التقصير في القيام بهذا الواجب يُعد جريمة وطنية».
نتحدث هنا عن الشهيد عبدالكريم الخليل الذي أعدمه الحاكم العثماني لبلاد الشام أحمد جمال باشا في 21 آب (أغسطس) 1915 في ساحة البرج (ساحة الشهداء اليوم) وسط بيروت مع 10 من رفاقه، ضمن ما عرف لاحقاً بـ «القافلة الأولى».

وفي 6 أيار (مايو) من السنة التالية 1916، أعدم جمال باشا «القافلة الثانية» التي ضمت 14 شهيداً في الساحة نفسها، و8 آخرين في ساحة المرجة وسط دمشق. واختير يوم السادس من أيار للاحتفال بالمناسبة، لأنه اليوم الذي أعدم فيه أكبر عدد من الشهداء الذين كانوا يسعون لإنهاء الحكم العثماني في البلاد العربية.
ومناسبة الحديث اليوم عن الشهيد عبدالكريم الخليل والبحث في سيرته، بعد مئة سنة وسنتين من إعدامه، لم تكن فقط لما حض عليه المؤرخ نويهض بضرورة تدوين سيرته واعتباره عدم القيام بذلك «جريمة وطنية». إذ كنت بدأت العمل على كتابي «عبدالكريم الخليل مِشعل العرب الأول 1884-1915» خلال الإعداد للذكرى المئوية لاستشهاده سنة 2015. كان الدافع آنذاك خليطاً شخصياً ومهنياً. إذ تربطني بالشهيد عبدالكريم الخليل علاقة عائلية من جهة والدي ووالدتي، فوالدته فضة قاسم خازم هي عمة جدي لأبي يوسف حسن خازم، وهو عم والدتي - شقيق أبيها الحاج زين - الذي ولدت في منزله وتربيتُ على سيرة شقيقه التي كان يتناقلها أهل بيته، لكن بصيغ غير مكتملة ومختلفة. وهنا دخل العنصر المهني عندما كبرت واخترت الصحافة مهنة دفعتني إلى محاولات أولى لتوحيد تلك الصيغ واستكمال البحث عن المعلومات غير المكتملة. وزاد اهتمامي نحو التعمق والتقصي والتحقيق في حقائق دور عبدالكريم الخليل كلما زاد بحثي في تاريخ هذا الرجل. وفي ذلك كان يزداد يقيني.. كم أجحف مؤرخو تلك الحقبة في حقه ولم ينصفوه. فهو كما اكتشفت الدكتورة بيان نويهض الحوت حديثاً ورددت أمامي: «أنه إنسان غير عادي..غير عادي...».
وربما كان هذا الإجحاف بحق عبدالكريم الخليل غير مقصود في معظم الأحيان، فهو لم يترك لنا من المعلومات عنه سوى قليل جدّاً، لكنه كان كافياً ليُبيِّن لنا أفكارَه ومنهجَه في عمله السياسي العام للقضية العربية. وتلك المعلومات القليلة هي في غالبيتها خطب علنية ألقاها في مناسبات مختلفة، إلى جانب بعض المقالات عن نشاطاته نُشرت في صحفٍ مصرية حينذاك. أما وثائقُه وأوراقُه الخاصة التي كانت في منزله، أو تلك التي كانت في مقر جمعية «المنتدى الأدبي» التي أسسها في إسطنبول، فقد أُتلفت أو أُحرقت قبل ساعات من اعتقاله أو بعد الاعتقال، كذلك أحرق القريبون منه والعاملون معه كل الأوراق المتعلقة بعملهم السري معه.


أسس عام 1905 جمعية
سرية مسلّحة سعت إلى
إقامة دولة عربية

لذلك، كان من الصعب جدّاً - ولا أقول من المستحيل - على أي مؤرِّخ جمع الحقائق كاملة عن الدور الرائد لعبدالكريم الخليل في إطلاق الحركة العربية واستنهاض أبناء الأمة ونشر الوعي القومي بينهم. وأمام هذا القحط من المعلومات، لم يكن أمامي سوى جمع أكبر عدد من المعلومات الشفوية والمكتوبة المتاحة عنه وعن حركته السياسية، وربطها، وفق منهج علمي دقيق بعد التحقق منها. كادت تلك المعلومات تقترب من تشكيل مادة كتابٍ متكاملٍ حين قرأت مقابلة صحافية أجرتها سلوى التميمي مع الدكتورة بيان نويهض الحوت تقول فيها إن والدها المؤرخ عجاج نويهض كان قبل وفاته أودع مخطوطات بقلمه تتضمن حوارات ومقابلات، «ستعطي روحاً جديدة لرجال كبار. إن أبرز هذه الشخصيات عبدالكريم الخليل، واكتشفت من خلال ذلك النقاش (في المخطوطات) سرّاً جديداً هو توقيت وكيفية بدء النضال العربي من أجل بناء دولة عربية مناضلة، فما كان سائداً أو معروفاً أن حركة التحرر العربي كانت رد فعل على الظلم التركي، لكن من خلال هذه الأوراق اكتشفت وجود جمعية اسمها «الشبيبة العربية»، سنة 1905 وكانت جمعية سرية سعت لإقامة دولة عربية. وكان مؤسسها عبدالكريم الخليل، ومن أبرز أعضائها عبدالستار السندروسي وهو مَن تكلم عن هذه الجمعية في مقابلاته مع الوالد».
اتصلت هاتفيّاً من لندن في 16 شباط (فبراير) 2016 بالدكتورة بيان التي أبدت اهتماماً كبيراً ببحثي، وقامت بجهد كبير لمساعدتي في الحصول على كل المخطوطات المتعلقة بالشهيد عبدالكريم الخليل التي كان يُعدها والدها المؤرخ في النصف الأول من القرن العشرين. وكان ينوي إصدارها في كتاب من ثلاثة أجزاء عن الحركة العربية الأولى وأبرز قادتها، وتوفاه الله قبل أن ينجز هذا العمل. وتعمل الدكتورة بيان على إنجاز ما جمعه والدها في «أحاديث ومراسلات عجاج نويهض: حول الحركة العربية الأولى».
تتضمن المخطوطات مراسلات بين المؤرخ نويهض وعدد من معاصري الشهيد عبدالكريم الخليل ورفاقه وأقاربه، وهم: مساعده الشخصي في بيروت حسن علي الخليل، وأحد أعضاء جمعية «الشبيبة العربية» السرية في بيروت عبدالله علي الخليل، والسياسي اللبناني كاظم إسماعيل الخليل، وأحد أقرب رفاقه إليه في «الشبيبة العربية» و«المنتدى الأدبي» في استانبول عبدالستار السندروسي، وأحد الناشطين المتعاونين معه في دمشق الفلسطيني من طولكرم سليم عبدالرحمن، وأحد مؤسسي «المنتدى الأدبي» الذي كان يرأسه عبدالكريم الخليل في إستانبول، الأمير فايز الشهابي. أكدت مخطوطات المؤرخ نويهض كثيراً من المعلومات التي كنت جمعتها، وصححت بعضاً منها، وأضافت إليها كثيراً.

* صحافي وباحث ومستشار إعلامي خبير في تأسيس وإعادة هيكلة مؤسسات إعلامية وتطويرها. عمل في هذا المجال مستقلاً ومع هيئة «بي.بي.سي» و«ورلد سيرفيس تراست» البريطانية و«المجلس الثقافي البريطاني» و«المعهد السويدي لتعليم الصحافيين» و«إنترنيوز يوروب»، في كلٍّ من مصر والأردن وعُمان والسعودية وسوريا ولبنان والمغرب وليبيا والسودان وأوغندا وبريطانيا، و«المحكمة الدولية في لاهاي»، هولندا. عمل صحافياً لأكثر من 35 سنة في مؤسسات إعلامية عدة من بينها «السفير» في بيروت و«الحياة» و«الشرق الأوسط» في لندن و«الوطن» و«آراب نيوز» في جدة، وصحيفة «الوسط» الإلكترونية في القاهرة. غطى حروباً وأحداثاً ميدانية في أكثر من 16 بلداً، وهو حاصل على الماجستير في وسائل الاتصال الجماهيري من جامعة «ليستر» البريطانية.