في تظاهرة «أسبوع النقاد» ضمن «مهرجان كان السينمائي» العام الماضي، قدّم فاتشي بولغورجيان باكورته الروائية الطويلة «ربيع» (2016 ـــ 105 د) الذي استُقبل بحفاوة كبيرة آنذاك. جال بعدئذٍ على عدد من المهرجانات، وتوّج بجوائز عدة.


يروي الفيلم قصة الشاب الكفيف ربيع (بركات جبور)، الموسيقي الموهوب الذي يكتشف عن طريق المصادفة أن من ربّته (جوليا قصار) ليست والدته الحقيقية. تبدأ رحلة البحث عن الهوية والجذور في بلد يسعى أهله لطمر الحقيقة. بدأ بولغورجيان مسيرته في إنجاز الافلام الوثائقية لمحطات تلفزيونية وبعض الافلام القصيرة الشخصية، الى أن شعر بالحاجة الى دراسة السينما والكتابة، فدخل جامعة نيويورك لهذا الغرض. بعد اختيار عمله في فئة «سينيفونداسيون» عام 2010 ونيله الجائزة الثانية فيها، شعر أنه أصبح على استعداد للانكباب على فيلمه الطويل الأول.


تشكّل الموسيقى شخصية
رئيسية في «ربيع»

انتهى من العمل على النسخة الأولى لنص «ربيع» أوائل 2012. وقد تطلّب الأمر سنوات من الإعداد والتمارين والبحث عن الممثلين المناسبين وأماكن التصوير الملائمة قبل الانتهاء من العمل في آذار (مارس) 2016. يقرّ المخرج لـ «الأخبار» أنّ اللجوء إلى شخص كفيف كان أمراً جديداً، خصوصاً أنه اضطلع بالدور الرئيس. ويقول إنّه واجه مسألة أخلاقية قبل اختيار بطل الشريط: «كنت أعلم أن شاباً كفيفاً سيؤدي الدور الرئيس. لكنني تساءلت ما الذي يعنيه اللجوء إلى ممثل لن يرى الفيلم؟ رحت ألتقي الكثير من الناس بحثاً عن الممثل الرئيسي. تعرّفت أخيراً إلى بركات الذي كان موسيقياً وكفيفاً. كان يغني في جوقة، فانتابتني مشاعر قوية فور سماعه ولقائه. وكلما تعرفت إليه أكثر، اقتنعت أنه سيؤدي الدور، لأنه ليس فقط موسيقياً، بل أيضاً فنان، يصغي بجدية إلى التعليمات ويجسد ما أسعى لإيصاله. بنينا صداقة مع الوقت، وتمرّنا في أماكن عدة، في منزلي ومنزله والمدرسة. ثم أدركت خلال لقاءاتي مع فاقدي البصر أن جميعهم يستمتعون بالسينما وبالتلفزيون، ويعرفون الممثلين بالأسماء والأصوات. وسرعان ما تبخّرت المسائل الأخلاقية التي واجهتني وأصبحت أكثر ثقة إزاء خياري». يؤكد بولغورجيان أنّه رغب في الابتعاد عن أي نوع من الكليشيه الذي قد يكون موجوداً في السينما عندما تصور شخصاً لا يرى. أراد أن يكون حقيقياً وصادقاً، مضيفاً: «ماذا إن كان شخصاً أعمى وموهوباً كبركات؟ لمَ يُمنع أشخاص يعانون صعوبة جسدية من ممارسة مهنة ما؟ في نظري هي وسيلة للقضاء على هذا التابوه ورفع التوعية في هذا المجال. ثم إن العمل مع شخص كفيف يجعل المخرج يفكر في السينماتوغرافيا بطريقة مختلفة، وكذلك بالصوت والموسيقى. هذا الخيار أدى إلى عمل عُضوي وهذا ما أحبه». انطلق بولغورجيان من فكرة صنع فيلم يسهم في الحوار الثقافي للمجتمع: «ما الذي يعنيه لرجل أن يعيش مع إعاقة عاناها لسنوات، وفي حرب لم يكن لديه يد فيها؟ إعاقة أُصيب بها بسبب الحرب؟ ما الذي يحصل لرجل فقد ورقة خلال الحرب تدل على من هو؟ في النهاية فهمت أن هذه الأسئلة تتعلق بموضوع أكثر شمولية. هي عن المجتمع، والهوية». لا يخفي بولغورجيان تأثره بأحد مؤلفيه الألمان المفضّلين دبليو جي سيبلت، الذي تعيش معظم شخصياته بعد الحرب العالمية الثانية، وتحاول إعادة تحديد هويتها: «بعد حرب دمرت البلدان التي عرفوها والعائلات والمجتمع والأشخاص الذين كانوا عليهم، كيف يحددون أنفسهم في هذا العالم الجديد؟ المسألة تنطبق على أي حرب أخرى. كثيرون منا عانوا الحرب التي دمرت بلداً كنا نعرفه وتسببت بتشتيت العائلات. فكيف نعيد تحديد أنفسنا؟ هو سؤال مهم جداً بنظري، وله علاقة بالهوية. قد يعاني ربيع إعاقة جسدية، لكن الآخرين يعانون إعاقات معنوية. لا أحد يخرج من الحرب من دون آثار. لهذا، ربما يسعى بعضهم إلى إخفاء ذلك، في حين يبحث آخرون عن الوضوح، كما ربيع».
يحمل الفيلم عنوانين. أتى العنوان الإنكليزي أولاً، لأن المخرج يتقن الإنكليزية وكانت الكتابة الأصلية بهذه اللغة. فوقع اختياره على «ترامونتان» عنواناً للعمل لأنه «مصطلح دخل اللغة الإنكليزية في القرن الـ17 ويعني الرياح وكذلك الجهة الأخرى من الجبل». ثم حمل معاني أخرى في ما بعد. لذا أعجبه وبدا مناسباً لما يحمله من معانٍ متراكمة. حين لم يجد أي مصطلح مواز له في العربية، فكّر في «ربيع»، اسم الشخصية الرئيسية والمحمّل كذلك بالمعاني والتعقيدات. فالفيلم هو أولاً عن شخص يتجدد.
بنى بولغورجيان خيارات التصوير على الشخصية الرئيسية. يقول: «في العتمة مثلاً، أردت أن يكون الظلام مطلقاً، حيث لا نرى إلا ظلال ربيع. وهذا نابع من معرفتي ببركات وبآخرين ممن هم فاقدو البصر، يتنقلون بسهولة كبرى في الأماكن الداكنة. هذا لا يعرفه المرء إلا إذا اختبره. من ناحية أخرى، تنتقل الكاميرا عادة في السينما خلال تصوير حوار بين المجال البصري لكل من الشخصيتين. لكن في وضع بركات، ليس هناك من خط مماثل. انتهى بنا الأمر إلى التصوير من زوايا أخرى. في البداية، عندما يكون ربيع في أماكن مألوفة، تتبعه الكاميرا من الخلف وهو يمشي بسهولة ويقود المشاهدين إلى أماكن يعرفها. لذا نرى أن العمى معكوس تماماً في السينماتوغرافيا. والمناظر جزء منها أيضاً وهي شخصية في الفيلم».
إلى جانب المناظر الطبيعية، تشكّل الموسيقى شخصية رئيسية في العمل، خصوصاً أنها ما يجيده ربيع وما يستخدمه للتعبير عن نفسه وعن التغييرات في حياته. في البداية، يغني للترفيه ثم تدريجاً يصبح أكثر إدراكاً للمعاني. يؤكد بولغورجيان: «الموسيقى عضوية أيضاً في الفيلم. سينتيا زافين (المشرفة عن الموسيقى) وبركات عملا عن كثب معي، للبحث عن الأغنية المناسبة وكيف تؤدى في المشاهد».

ربيع» Tramontane لفاتشي بولغورجيان: حتى 7 حزيران