تنجح «الجائزة العالمية للرواية العربية» (بوكر العربية) كل موسم، في إثارة الصخب الإعلامي إلى أقصاه. معارك طاحنة وخنادق ومتاريس، استنفار جغرافي شامل، اتهامات واتهامات مضادة في سبب اختيار هذه الرواية أو تلك. تستيقظ روح القبيلة بغياب من يمثّلها في الوليمة الدسمة، بدءاً من اختيار أعضاء لجنة التحكيم، وصولاً إلى إعلان القائمة الطويلة، ثم القصيرة.


ويشتد النزال إلى مرتبة السلاح الأبيض بإعلان الرواية الفائزة. أو على نحو أكثر دقّة، الروائي الفائز، ذلك أن الأمر يتعلّق بهويته الشخصيّة أولاً، بصرف النظر عن أن روايته مكتوبة بالعربية. وإذا بالسجال يذهب إلى «الهويات القاتلة»، وليس إلى الصنيع الروائي والابتكار السردي ومهارة التخييل. في النسخة العاشرة للجائزة، أثارت رواية السعودي محمد حسن علوان «موت صغير» (دار الساقي) المتوّجة هذا الموسم، ردود أفعال متضاربة، وصلت إلى حدود الإقصاء البلاغي من جهة، ومديح خصوصيتها السردية من جهة ثانية، ليُختزل السجال حول شخصيتها المحورية «ابن عربي». لماذا هذا المتصوّف؟ وما الفكرة المبتكرة من إعادة سيرة صاحب «ترجمان الأشواق»؟ وهل هذا الانحياز يصبّ في سياق الموضة الروائية في تمجيد الصوفية، مقابل إغماض العينين عن اللحظة الراهنة؟
سهام كثيرة تعرّضت لها هذه الرواية، في طعنات طائشة، وأخرى في الصميم، كمحصلة للاشتباك الجغرافي أولاً، كأن صاحبها جزء من استراتيجية بلاده في حربها على اليمن، وليس روائياً مفرداً لديه مشروعه الخاص. بين «رواية مضجرة»، و«رواية فذّة»، تتأرجح الآراء النقدية العجلى في تقويم هذا العمل، على خلفية اصطفافات جيوسياسية في المقام الأول، كأن الروائي الخليجي يكتب باللغة الأوردية، لا بلغة الضاد. كما أنّ تراجع أسهم «روائيين كبار» كانوا في القائمة القصيرة، لمصلحة روائي شاب (1979)، أثار حميّة بعضهم - في الكواليس ونميمة المقاهي ومواقع التواصل الاجتماعي- بخصوص ضرورة حفظ المقامات.


تأكيد «صورة قديمة رثّة
للشرق» باعتبار «الصوفيّة أبرز منتجاتنا الفكرية»، مذ وضع الغرب هذه البضاعة على «خريطة الموضة العالمية»

المسألة أيضاً، تتعلّق بالذائقة في تلقي هذه الرواية أو تلك. شخصياً، وجدت أن الرواية تعمل في المنطقة المجاورة لاشتغالات أمين معلوف في «سمرقند» عن حياة عمر الخيام، وجيلبرت سينويه في «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان»، لكن من دون أن تفحص مناطق الشك والقلق والحيرة في سيرة صاحب «الفتوحات المكيّة» بالعمق نفسه، وكذلك بتشويقٍ أقلّ، نظراً إلى الاستطرادات الأفقية، وخفوت وقع الضربات الشاقولية في المعمار الروائي، وربما، من ناحية ثانية، الرهان على أهمية شخصية ابن عربي بوصفها كنزاً سردياً مهملاً، ينطوي على إشراقات صوفية ورحابة معرفية وروحانية تصبّ في منطقة استشراقية مرغوبة ومطلوبة في المدوّنة الروائية الجديدة، تجد صداها لدى اللغات الأخرى في برامج الترجمة. ما أسماه الناقد السعودي محمد العباس «زلزال محمد حسن علوان وتوابعه» رغم نبرته التضامنية مع مواطنه، هو صحيح إلى حدّ ما. فاللغط الدائر حول جنسية الروائي لا روايته، يتعلّق بالصراع بين المراكز الثقافية القديمة وهوامش القوة الناعمة. إذ لم تعد هذه الهوامش «محطة متخثّرة من التاريخ، ومناجم للمال لا للإبداع». عدا مطالبة المصريين الاعتيادية بحصتهم من المؤونة السنوية بما يتناسب مع ثقلهم الإحصائي والتاريخي، احتج الجزائريون عن غيابهم التام عن القائمة ولجنة التحكيم، فيما تساءل الناقد السوري نبيل سليمان مستغرباً عدم وجود روائي سوري واحد في القائمة الطويلة (الوصفة السحرية للفوز بجائزة عربية). لكنّ آخرين فتحوا جبهات أخرى أكثر شراسة، إلى درجة اتهام صاحب «القندس» بالسطو على رواية عربية منشورة منذ سنوات عن حياة ابن عربي بعنوان «كوميديا الحب الإلهي» للعراقي لؤي عبد الإله، كما فعل باسم المرعبي في مقال مطوّل، واصفاً الرواية بأنها «علبة مغلقة يشعر القارئ بثقلها عبر مئات الصفحات التي يمكن حذفها بسهولة دون أن يخلّ ذلك بها، خاصة تلك الفصول الموازية للمتن الرئيسي للرواية، المطبوعة بالحرف الغامق، فهي وحدات مستقلة تصلح أن تكون قصصاً قصيرة أو حتى مقالات، إذ لا صلة لها من قريب أو من بعيد بمسار أحداث الرواية وتطوراتها، إلا بشكل متعسف». وسوف يستنجد بمصطلح «البدانة الروائية» الذي ابتكره سعيد يقطين، لجهة الفائض السردي عسير الهضم، وفقاً لقوله. فكرة البدانة الروائية التي تداولها كثيرون، نظراً إلى ضخامة الرواية (600 صفحة)، أثارت حفيظة الروائي الجزائري واسيني الأعرج في تعليق له على الفايسبوك، معتبراً إياها بدعة عربية خالصة: «حكاية البدانة ومقابلها النحافة، مفهوم عربي فقط وغير نقدي أصلاً، لم أجده في ثقافة أخرى من التي أعرف. لا نحكم على الرواية من عدد صفحاتها لكن من خلال منجزها فقط. انظر الروايات الفائزة أو التي لاقت رواجاً، فيها النحيف والوسط والبدين». وأضاف أن سبب فوز «موت صغير» يتعلّق بجودتها أولاً، فهي «جعلت التاريخ السيري مساحةً راقية للسرد الروائي». من جهة أخرى، سعت رئيسة لجنة تحكيم الجائزة سحر خليفة إلى الدفاع عن الرواية بقوة، بعد اتهامها معظم الروايات العربية الجديدة بأنّها لا تستحق ثمن الورق الذي كُتبت عليه. وقد أغرقت صفحتها على الفايسبوك بمقالات وتعليقات في مديح الرواية، بالإضافة إلى إعجابها الشخصي المفرط بمناخاتها «تتميز بنبشها لسيرة حياة وفكر المتصوف الأندلسي ابن عربي، وتبرز بشكل فني لافت وبلاغة لغوية آسرة، نظرة ابن عربي للحب الروحي في أرقى صوره، وأيضاً الدنيوي، في دنيا زائلة لا تخلد لإنسان راحل. كما تتطرق الرواية لأحوال البلدان التي زارها المتصوف بحثاً عن أوتاده الأربعة، لنكتشف من خلال بحثه المتواصل وجولاته المتعددة قدرته على رصد حياة الناس في تلك البلدان، والعوامل السياسية والاجتماعية التي دعت للثورة فيها، فجاءت شخصيته التاريخية، بحضورها الفلسفي والإنساني والدرامي، مكتملة البناء».
في توابع الزلزال، سنقع على آراء أخرى تتعلق بأسباب الاهتمام بمتصوّف مثل ابن عربي في هذا التوقيت تحديداً، وهل هو استكمال لموجة «قواعد العشق الأربعون» للروائية التركية أليف شافاق؟ الرواية التي تناولت سيرة جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي بحسّ استشراقي، تُرجمت إلى معظم لغات العالم المتعطّش لروحانيات الشرق، وجلبت لصاحبتها شهرة عالمية، بما فيها لغة الضاد منبت الروحانية والصوفية (!). على الأرجح، فإن هذه الموجة عصفت بقرّاء العربية وكتّابها، بتأثير الميديا ومطحنة الاستشراق، وإغراء «البيست سيلر» بما يشبه العودة إلى صيدليات طب الأعشاب في تركيب الوصفات الشعبية. هكذا التقطت جمانة مصطفى ثيمة الاستشراق في هذا الطراز من الروايات التي تعمل على استحضار الغيبيات الشرقية لإرضاء هوس الغرب بالصوفية وبشخصيات مثل «ابن أربي» حسب تسميتها، لتأكيد «صورة قديمة رثّة للشرق» باعتبار «الصوفيّة هي أبرز منتجاتنا الفكرية»، مذ وضع الغرب هذه البضاعة على «خريطة الموضة العالمية» والتهليل لها بدمغات متجاورة تضم «ابن أربي»، و«رومي»، و«الهالاج»، كنوع من الترفيه أو حلقات الذكر والبخور من «شرق غيبي ومنفصل عن الواقع». وتستدرك الشاعرة الأردنية من موقعها كقارئة أن اعتراضها يتعلّق بالمحتوى والمعالجة، لا القيمة الجمالية للرواية، أو المحاصصة الجغرافية. ربما يكمن خطر جوائز الرواية بتضييق مساحة القراءة الموسميّة لحفنة من الروايات المتوّجة بجوائز فقط، وإهمال عشرات الروايات المهمة التي خرجت من المعادلة لسببٍ أو لآخر، بالإضافة للحمّى النقدية التي تبيع وتشتري في أسواق الروايات الرائجة دون غيرها!