ثمة أعمال تدخل إلى عالمها مرتعشاً، تبدأ في قراءتها وتوقعاتك مرتفعة للغاية. علو سقف التوقعات لديك قد تلخصه عوامل كالجوائز والترجمة والاحتفاء النقدي. «معرض الجثث» (منشورات المتوسط). قصص الكاتب العراقي المقيم في فنلندا حسن بلاسم، تتوفر فيها كل العوامل المحفزة على القراءة. هناك جائزة الـ «إندبندنت» عام 2014، وحسن بلاسم هو أول كاتب عربي يحصل عليها. وهناك الترجمة إلى لغات عدة، إلى جانب صدور «معرض الجثث» بالإنكليزية عن «دار بنغوين» الشهيرة، والاحتفاء النقدي بالقصص من قبل كتاب ونقاد عرب وغربيين، ووصف الـ «غارديان» لبلاسم ﺑ «أكبر كاتب حي من كتاب القصة في العالم العربي». أيضاً ثمة ريبة من أن يكون هذا الاحتفاء الغربي نتيجة لرؤى إكزوتيكية يغذيها العمل. العين الغربية التي تطلعت قديماً إلى «سحر الشرق» وغوايته وفق خيالها، تنجذب الآن إلى نافذة محددة الضوابط والمقاييس، ترنو منها إلى بشاعة هذا الشرق وكابوس جحيمه الأبدي.

تتجاوز «معرض الجثث» أفق التوقعات «أو أفق الانتظار» بتعبير ياوس، لتنتج أفقاً جمالياً جديداً، فهي تعيد تكوين خبرة التلقي لدى القارئ. الكاتب الذي اختبر الفظاعة يخلق منها فناً يتمثل «الفظيع»
كي يبقى في الذاكرة ولا يُمكن للنسيان أن يجرفه. في الوقت نفسه، تعيد القصص صياغة بعض تقاليد النثر في الأدب العربي. تسبر أغوار الإنسان وسط الفوضى والعنف والدمار، وتكشف عن صورة العراق المعاصرة، وعما يعتمل بداخل الفرد، وعن الحدود القصوى للقسوة والوحشية. صورة كابوسية للواقع، مطابقة له ومفارقة عنه في آن.
ينقسم الكتاب إلى خمس وعشرين قصة (عبارة عن مجموعتين قصصيتين). تتوزع القصص على عدد من الثيمات والموضوعات التي تتكرر في النصوص بتنويعات مختلفة. كما تتداخل فيما بينها وسط عالم قصصي زاخر بحكايات الحرب والهجرة والجريمة. ترصد النصوص الأبعاد اللاإنسانية لعمليات التهريب في قصص مثل «الأرشيف والواقع»، «حقيبة علي»، أو يتتبع السرد الآلام والعذابات النفسية للشخصيات في عالم ما بعد الهجرة كنتيجة للماضي الدموي، في قصص مثل «كوابيس كارلوس فوينتس»، «لا تقتلني، أرجوك... هذه شجرتي!». وتُحكى أكثر من قصة على لسان موتى، يسردون وقائع موتهم المأساوية من عالم آخر، أو يعترفون بجرائمهم.
اعتمدت «معرض الجثث» على حالة ثرية من تداخل ونسج الحكايات على طريقة «ألف ليلة وليلة». ففي «شمس وجنة»، تحكي سوسن حكاية فيل الملك الطاغية «شمس الدين» لأمها المترقبة في ذعر، اقتحام ميلشيات النظام قريتها المهجورة، واغتصاب ابنتها. وفي «مجنون ساحة الحرية»، تطالعنا حكاية الأب عن معجزات وبركات الشابين «الشقر». يذكرنا بها ابنه قبل معركة الحي المصيرية.
إضافة إلى تلك التداخلات الحكائية السلسة، تتوارد في غالبية القصص العديد من التضمينات والتأملات على لسان الراوي أو الكاتب المفترض. كأن القصص تميل إلى تأمل ذاتها، بتعبير مالكولم برادبري، والكشف عن طبيعة الخيال وعملية الكتابة والخلق الفني. في «شاحنة برلين»، يعمد السرد إلى التأكيد على الطبيعة اللغوية للنص، أي كونه بناءً لغوياً أكثر منه تصويراً للواقع: «من المؤكد أن غالبية القراء ترى القصة مجرد تلفيق قام به كاتب قصصي، أو قد تكون مجازاً متواضعاً عن الرعب». يصف الراوي الكتابة في «حقيبة علي» بأنها تعبير بكلمات شحيحة عن «جوهر الرعب الإنساني». وتتواتر الجمل التي تصلح كمفاتيح لقراءة العمل. يقول في «لا تقتلني، أرجوك... هذه شجرتي»: «هل يمكن تحويل إحساس القبض على سكين مغموسة بالدم إلى جملة».


حكايات الحرب والهجرة والموت وصورة العراق المعاصرة

توظف النصوص البذاءة والفحش فنياً وعلى مستويات عدة. تكمن المفارقة في أن البذاءة في الأدب العربي قديماً كانت تتخذ من بغداد، والعراق عامةً، فضاءً لها، كما نجد في «الأغاني»، «الإمتاع والمؤانسة»، و«كتاب مفاخرة الجواري والغلمان». لكن تاريخ البذاءة الذي يستدعيه حسن بلاسم، لا يستخدمه لنقل حياة اللهو والطرب والخمر، كما كان يحدث قديماً، وإنما لرسم غيرنيكا دموية لبغداد الحديثة، من أجل وصف الخراب والعنف والقتل.
تمثيلات البذاءة والفحش تتحرك في مساحة كبيرة من النصوص. في قصة «سوق القصص»، تسمع إحدى الشخصيات في سوق شعبي مزحة عن بائع سمك وجدت زوجته بين السمك «فرج» المرأة الانتحارية التي فجرت نفسها. يقول الراوي معلقاً: «إنه نوع من الهلوسة الشعبية التي تنبع من تاريخ طويل من العنف والظلم والضياع. وهي ليست سخرية معبرة لمواطنين ينتمون إلى مدينة معاصرة. إنها هلوسة بدائية قبلية تحاول الاختباء خلف ضحك دموي تافه». تتجلى هنا البذاءة كأداة نفي، وكما يقول هربرت ماركوز في عبارات دالة: «كأن الرفض والتمرد اللذين تمت السيطرة عليهما على الصعيد السياسي، ينفجران في مفردات تسمي الأشياء بأسمائها». أما في قصص مثل «عادة التعري السيئة»، و«لا تقتلني، أرجوك...»، فأبطالها يطلقون السباب بكثافة وعشوائية في خضم الهلوسات والحمى والجنون، في بلدان الهجرة الأوروبية. الفحش هنا هو «الجذر الأعمق الذي يربطنا إلى وطننا»، بتعبير ميلان كونديرا، فنحن نستخدم الكلمات في لغة أجنبية لكننا لا نشعر بها، فقط الفحش وسيلة الشخصيات لاستعادة وطن مفقود.
البذاءة المنفلتة من عقالها في أفلام المخرج الفلسطيني الكبير إيليا سليمان، هي تعبير عن الاحتقان لدى الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاغتصاب الصهيوني. ينفجر العجز والصراع في عنف لفظي ومفردات بذيئة، وبينما يتراشقها أبناء الحارة الواحدة في أفلام سليمان، فإن أبناء العراق في قصص بلاسم يوجهونها نحو السماء. القنوط والغضب يوجهان البذاءة صوب الهرطقة. في «بوصلة وقتلة»، يقول القاتل «أبو حديد» لأخيه الأصغر «ماكو الله من دون عبيد». ويضيف : «لازم تتعلم إنت بهذي الدنيا تصير الله». وفي قصة «الملحن»، لا يتمكن جعفر المطلبي، عازف العود المشهور وملحن الأناشيد الوطنية، أن يضع الألحان الجديدة التي «تتغنى بعظمة الرئيس»، نتيجة «نضوب إبداعي»، فيشرع في تأليف وتلحين قصائد في «شتم الله والوجود». في النهاية، يطوف في الشوارع وهو ينشد ضد الله حاملاً عوده الذي لم يبق فيه وتر. يدخل إلى مقر الحزب الفارغ ويضع شريط قصائده الملحنة في التسجيل وتبثه مكبرات الصوت.
يعيد الملحن إرث الهرطقة ومعارضة المقدس. لكنه يتباعد عن أجداده ابن المقفع وابن الراوندي والمتنبي لأنه أقرب إلى هذيان الجنون لا الإبداع. وينتهي مقطوع الرأس من قبل المسلحين الذين سحلوه ومثلوا بجثته. ترتبط الهرطقة والبذاءة بالجنون. حالة من المس العقلي، تقود إلى الموت، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن لاوعي الشخصيات، وتدفع إلى التمرد على كل الأنساق القيمية للدولة والمجتمع والدين.
نرى مقاربة ذكية لفكرة التضحية والخلاص في قصة «المسيح العراقي»: الجندي المسيحي دانيال يتمكن من النجاة من أهوال حرب الخليج الثانية وبعد الغزو الأميركي، بفضل موهبته وقدراته وحدوسه التنبؤية بموعد سقوط القنابل واقتراب الموت، كأنه «رادار بشري»، يتبعه زملاؤه الجنود المؤمنون بقدراته. تنطوي القصة على مفارقة مركبة. دانيال المُلهم لا ينتبه للإرهابي الجالس بجواره هو وأمه في المطعم. يرغمه الإرهابي على أن يتبادل معه الحزام الناسف مقابل الإبقاء على حياة أمه العجوز. حين يخرج دانيال زاحفاً من الحمام، يرى كرسي أمه فارغاً، فيضغط على الزر. إن الموت الذي تبثه الأصولية، قد شوش قدرات دانيال الردارية التنبؤية من فرط كثافته وعشوائيته. موت يومي ومجاني لا تنفع معه قوى عليا. كما أن الخلاص الذي يقدمه دانيال هو نقيض الخلاص اليسوعي: انتحار فردي، لا من أجل الآخرين وإنما ضدهم.
هكذا تكتسب كل الأقانيم والسمات الجمالية في «معرض الجثث» أبعادها الخاصة، وتتلاقى فيها الأضداد: الواقع والخيال والمنطق واللامألوف والميتافيزيقا. وحتى أشباح الأسلاف الحاضرة في القصص، مثل كافكا وبو كما علقت بعض الصحف الغربية، فإنها تتجلى في صور مغايرة. قد يكون «سليم عبد الحسين» في قصة «كوابيس كارلوس فوينتس» قريب الشبه من «وليم ولسون» في قصة إدغار آلان بو. والكابوسية قد تكون ذات لمحة كافكاوية، لكن أبطال بلاسم لا يبحثون عن خطيئتهم المفقودة التي استوجبت محاكمتهم مثل «جوزيف ك»، بل هم قتلة ومرتكبون لجرائم تقف المحاكمات عاجزة أمام بشاعتها المفرطة. المفاجأة الدرامية هي مقامرة حسن بلاسم الناجحة.
إن حسن بلاسم هو مقلوب السندباد، أو من الممكن تسميته ﺑ «السندباد – الضد». القصص توظف بعض الحكايات التراثية الغرائبية، لكن بغداد في «معرض الجثث» ليست رمزاً للفضاء المألوف كما كانت في «ألف ليلة وليلة». كان السندباد هو السفير الذي يسرد حكايات الوحوش والعماليق وآكلي لحوم البشر من «أقطار الغرابة» كما يبين عبد الفتاح كيليطو. الآن، صار عالم الغرابة هو عالمنا الشرقي، وصار حسن بلاسم سارداً وحشياً لا سفيراً وحسب، يحكي الحكايات، يُعري الجميع، ولا يستثني الغرب من مقصلة كلماته.