تبدو المرجعية المعرفية، إضافة إلى خبرة الكتابة، لدى نور الدين الزويتني حاضرة في مجموعته الشعرية الجديدة «كيف تظلّ شاعراً بعد 2012» (دار كتابنا للنشر ـ بيروت) في حوالى مئتي صفحة. فقد أسعفه تخصصه في الأدب الإنكليزي في الاطلاع الموسع على قصيدة النثر الأميركية ومواكبة تحولاتها. فضلاً عن ذلك، هو أحد الملمّين الكبار في المغرب بتاريخ النقد النظري لهذا الجنس الأدبي. هذه المعرفة الشعرية تنعكس على نصوص المجموعة، وتبيّن حجم المسافة التي قطعها الشاعر في تجربته قياساً مع ما راج لسنوات في الكتابة الشعرية في المغرب. يريد نور الدين الزويتني أن يذهب بالقصيدة إلى أبعد حدّ ممكن، مجرّباً بذلك طرقاً مختلفة في التعبير عن المعنى، فالكتابة لديه هي تجريب الأشكال وليس فقط الانشغال بمحتواها.
يقطع الشاعر قدر الإمكان مع التيمات المتداولة في الكتابة، فما من حنين لديه إلى الماضي، وما من تمجيد للذات أو احتفاء مبالغ فيه بالحزن والعزلة، وما من امرأة يشكوها أو يشكو إليها.
في نصه «ماذا تصنع بامرأة»، يبرر هذا الاختيار: «ماذا تفعل في هذا الليل/ بيديك الفارغتين/ على باب الحب؟/ ماذا تصنع بامرأة/ أنت الذي/ افترست قلب ذكورتك/ الأوراقُ والكتب؟».

اختار الزويتني أن يمهّد لنصوص عمله بمقدمة تبرّر العنوان، فـ 2012 هو عام النهاية الكبرى حسب تقويم شعوب المايا المعروفة بتاريخها في التنبؤ وعلوم الفلك. وإن كانت النهاية الكبرى لم تقع وفق هذه النبوءة، فقد تجسدت في مظاهر أخرى حسب الشاعر، منها ما آلت إليه المنطقة العربية وما عرفته من نهايات صغيرة ومن تحولات في العديد من بلدان العالم، أبرزها الأزمات الاقتصادية وارتفاع درجة العنف.
يطرح الشاعر في مقدمته إشكالية التحول الثقافي في السنوات الأخيرة مع الحضور الطاغي للميديا ووسائط التواصل الحديثة، وهيمنة الانترنت كمجال للمعرفة ولتداولها، متسائلاً عن تمسك الكثير من الشعراء بـ «أنماط رؤى شعرية لم تعد تخدم الشعر في شيء، بقدر ما تعرقل وتبطئ تَقدُّم هؤلاء الشعراء نحو فضاءات شعرية أفسح».


الكتابة لديه احتفاء بالباطني وبالغرائبي

وما يقوله الزويتني بشكل مكثف في مقدمته تترجمه بشكل لافت نصوصه الشعرية التي تمتح من منابع معرفية وفكرية عديدة كالفلسفة واللاهوت والميثولوجيا والثقافة الدينية الآسيوية والتراث العربي والموروث المسيحي والعبراني والموسيقى والمسرح والسينما.
تشكل المجموعة أيضاً فضاءً روحياً يستحضر فيه الشاعر أطياف الذين يحبهم من أهل الفن والكتابة والصداقة، ويحتفي بهم في مخاطبات شعرية مشحونة بقدر هائل من المشاعر الحارة. يوقفنا مثلاً هذا النص القصير الذي يحمل عنوان Illusions: «هل قرأتَ كتاباً/ من أوله حتى آخر السطر/ وأنت تبكي؟/ هل رفعتَ السماعة/ وقرأت فصولاً كاملة/ على أذن من تحبّ/ ولا زلت تبكي؟/ أنا حدث معي ذلك/ حين قرأتُ كتابك/ يا ريتشارد باخ/ كتابك الذي مثل اسمك/ لا يعرفه أحد ممن أعرف/ والملتمع بأصداف حارقة/ يصعب أن يمسكها أحد أبداً/ ويعود إلى السطح/ سليماً!».
الأمر ذاته سيعيده بصيغ وسياقات مختلفة مع كافكا، إينشتاين، نيتشه، كارلوس كاتنيدا، إدغار ألن بو، تينيسي ويليامز، دانتي، أسخيلوس، كفافيس، النبي إيليا، الشاعر عبد الإله المويسي، المؤلف الموسيقي هيكتور بيرليوز، الفنان عبد الله بلعباس، المتصوف الهندي صادغورو، وآخرين.
لا يولي الزويتني أهمية كبرى لتلك الفكرة الرائجة عن القصيدة الجديدة، التي تربطها بضرورة الاحتفاء بـ «شعرية التفاصيل». بل إن الكتابة لديه احتفاء بالباطني أيضاً وبالغرائبي، وفرصة للتهكم على ما يبدو للناس موغلاً في الجدّية. السخرية تكاد تكون سلاح الشاعر في مواجهة هذا التراكم الكبير لكل ما يسلب الإنسان إنسانيته، أو ينمّطه ويحوّله إلى مجرد آلة تستهلك البضاعة الرائجة وتلوك الأفكار المعلّبة.
في نصه «هاملت على الخشبة»، يحاكم الزويتني الشاعرَ العربي اليوم، ويسحبه من سرير نومه كي يفتح عينيه على واقع لا علاقة له بأحلامه وبالوهم الذي يغلّف نفسه به، داعياً إياه إلى التوقف عن الهذيانات والتخلص من فكرة جدوى الشعر ومجد الشاعر، ومن الخردوات التي تثقل كاهله: «كل هذه الخردوات/ على ظهرك ولم تتعب: مبولات صدئة من أدونيس/ آلات تصوير قديمة من درويش/ بطاريات منتهية من سعدي يوسف/ معاطف رثة وبدلات من آخرين».
يوجد نور الدين الزويتني في صف الشعراء الذين لا يجيدون الصراخ خارج قصائدهم، بل يهرعون دائماً إلى الخلف بأصوات خفيضة، فالكتابة لديه هي مجال للبحث الصامت في أعماق الكائن ومحاولة الاقتراب أكثر من أسرار وجوده. فالذات لدى الزويتني، لا سيما ذات الشاعر، ليست رجع صدى أو أصداء أخرى دائماً، بل هي منجم عميق ولا منتهٍ، وفي حاجة دائماً لمن يكشف كنوزه. وهو إذ يواصل منذ أكثر من ثلاثة عقود هذه الرحلة الوجودية، عبر الكتابة، يفعل ذلك بكثير من التجريب والانشغال الدائم بقضايا اللغة والابتكار المتعلق بطرائق التعبير.