كلما ظهرت نتائج جائزة أدبية عربية واكبها لغط كبير، تتباين فيه الأصوات بين مرحب ومستهجن. وقد تصل حدة الأصوات في أحايين كثيرة إلى درجة التخوين. ولعل ما تثيره جائزة «بوكر» العربية وحدها من ردود، يكاد يتجاوز مثيلاتها من الجوائز مجتمعة.


ومن خلال معاينة مجمل الجوائز العربية، يمكن الخروج بجملة من الملاحظات تنحصر في التالي:
1ـ التيمة أو الموضوع، وغالباً ما تكون الغلبة للنص التاريخي («موت صغير» لمحمد حسن علوان كمثال) في مقابل النص الذي يتعرض إلى الراهن بالنقد والتحليل من منطلق أنه نص إشكالي.
2ـ الاعتبارات السياسية والأجندات الدولية، بحيث يروج للأعمال التي تنتصر للحوار أو يتضمن خطابها المصالحة ونبذ العنف («مصائر» لربعي المدهون كمثال)، كما تغمر الروايات التي لا تحقق إجماعاً دولياً كالأزمة السورية واليمنية، كأننا أمام توصيات ما!
3ـ نظام المحاصصة، أو التوزيع الجغرافي ابتداءً من القائمة الطويلة. والملاحظ مع كل دورة تباين الأعمال جغرافياً، ثم عدم تحقق الفوز توالياً لكاتبين من بلدٍ واحد.
4ـ البدانة الروائية بتعبير سعيد يقطين، إذ لم نشهد خصوصاً في البوكر العربية نصاً فائزاً في حدود مئة صفحة، بينما في الجوائز الدولية، يعتبر هذا طبيعياً («حجر الصبر» لعتيق رحيمي، «ميرسو تحقيق مضاد» لكمال داود). كما يمكنني أن أضيف أن حجم العمل نفسه شكّل لي عائقاً في إتمام كثير من الروايات الفائزة بما فيها «موت صغير»، كوني أعتبر أن الرواية هي تعبير عن أزمة، يحضر فيها الفيض كامتداد منها وإليها (الأزمة). غير ذلك فهو أطناب وحشو لا يخدم النص بل يضعفه.
5ـ وإذا كنا نجد جائزة مثل البوكر تميل لفئة الشباب والمغمورين (سعود السنعوسي كمثال)، فإن جائزة مثل «كتارا» أو «الشيخ زايد» تميل في أغلبها للمكرسين، حتى أننا نتساءل أحياناً: هل فاز الكاتب لشخصه أم لمنجزه؟
يمكن لهذه الملاحظات مشتركة أن تشكل العناصر التي يجب أن تتوفر في العمل الروائي حتى يحظى باهتمام لجان التحكيم، وهي لجان نجدها بدورها خاضعة لأمناء الجائزة أنفسهم (يمكن الرجوع إلى ما قاله نبيل سليمان في هذا الصدد). كما يمكن لهذه الملاحظات أيضاً أن تضعنا أمام جملة من الإشكالات التي يمكن أن نجملها في التالي: ماذا عن تلك الأعمال التي تطرقت إلى الشأن السوري أو اليمني كمثال؟ وهل كانت أقل جودة أم أنها نصوص يغيب عنها الإجماع؟ هل حقاً الرواية المغاربية أضعف من مثيلتها المشرقية؟ وهل يمكن الإنكار أن غاية الجوائز اليوم توجيه القارئ العربي وإعادة تشكيل وعيه وبرمجته؟ ألا يتم بالتالي حجب الضوء عن أعمال أكثر قيمة؟ ألا تشكل الجوائز بشكلها الحالي خطراً يحدق بالكتابة الروائية بعدما جعلت الكاتب فيها تابعاً قريباً من سياساتها بعيداً عن الإشكالات والمآزق التي يعيشها؟ ثم ألا يؤكد كل هذا فكرة المؤامرة ـ مؤامرة تحبك خيوطها أياد خفية تخدم أجندات بعينها؟ لطالما تخندق الكاتب العربي خلف اليسار العربي، رغبة منه في الفوز بامتيازات معينة. هذا الكاتب نفسه لم يطل به الأمر بعد سقوط المعسكر الشرقي حتى غيّر موقعه وقناعاته. لاحقاً، جاءت الجوائز لتسد الفراغ الذي تركته السياسة، وهي اليوم تنتصر لسياسات الدول على حساب الشعوب. كذلك اصطف خلفها جيل كامل نجده خاضعاً في غالبه لإملاءاتها، كما ربض خلفه الجيل القديم، جيل لا يخدمه بالمطلق هيمنة الشباب على الجوائز واكتساحهم للمشهد الثقافي.
* روائي مغربي