الأرض

الجثثُ التي تهبطُ في رحمِها
الأشلاءُ التي تتخبّط عُقب انفجارٍ ثم تغور فيها
البقايا التي تصل للقعرِ بعد الخوف الذي رأته على شكل غيمةٍ
غيمةٍ زرقاءَ تحبس الهواء في المحيط الصدري
في البحرِ

العظام التي تحفُّ الثياب، الثيابَ المتروكةَ بلا هوية خلف الحيطان، الثيابَ المدفونةَ في الخزائن، الخزائنِ النزقةِ من هول ما رأت، النوافذُ المعتمةُ ويدخل الضوء فيها كما يفاجئ ضوء الصباح عيني رضيع
بعد المجزرة
المجزرةُ التي صارت شجرةً على محيطِ خصرها، عارياً في الشتاء
وأنا جالسةٌ بساقين عاريتين في البركة أنتظر تورّدَ الصيف
على خدي
وفي نجمتين في عيني
أحرقَهما البردُ
شتّتهما الصقيع
الجثثُ التي حرّكت عظمَ الشتاء، التي تسربت مثل الشبح في ليلة ماطرة
والرعب الذي يدفع بعرباتِ القلوب إلى المجهول
والظلمة
تحولوا كما عُصارة الزيت بعد عرس الزيتون والصنوبر إلى قافلةِ مواردَ في زبد الأرض
والبحر يوم قام كي يغسل ظهره اقتربوا كي ينهشوا لحمه المالح
عبأوا النفط في قواربَ، والماسُ الذي كان عيوناً من بلاد بعيدة وضعوا قُبالته السلاح
كما الشمسُ في عيني رضيع عقب المجزرة
والنفط الذي كان بالأمس جسداً يتباهى قبالتي وأنا أضع ساقي في الماء
تفجر وصار يسيل اليوم
وصاروا يحوكون المجزرة عقب الأخرى حتى يتحصّلوا عليه
حتى يمسكوا بظلٍ بالأمس كان سَهوتي
أطلقوا النار عليه
شرّدوه في الأرض
والآن صار يسيل
ظلاً لكيان نفطيّ ضخم، بعيونٍ فارغة.

■ ■ ■


وهكذا تدور الأرض مرات عدة
مرة حول الشمس
مرة تقترب من صحن القمر حتى ترسمَ الزبد فينا
مرة تغور في ذاتها وننزل معها كي نصيرَ موارد، بعضنا يصير ضوءاً
بعضنا يصير فوسفاتاً
أو سائلاً منوياً يتشرّب دمع الزهرة
بعضنا ماساً أو فحماً أو غباراً أو دماً متجمداً في
عنق شقيقة نعمان
ومن ثم تغدو الأسلحة والغضب دخيلاً يريد إقحامنا مرات أخرى في رحمها
كي تدور عجلة الزمن
والعقم قبلةٌ نود أن نعطيها شفاهنا،
للضوء فيها
كما تفعل الشمس مع عيني رضيعٍ زغبيّتين
بعد المجزرة
أو قبلها
والعقم ألا تعطي قبلتك للضوء
كأنك تصنع ماساً في الهواء...
والعقم ألا يتوقف قلبكَ عن الدوران في محيطِ طفلة تموت
في مجزرة
ويعقبها طفلٌ، خمسةُ رجال، امرأة، غيمة، كأنها شُهب لعالم آخر
كأنك توقفتَ عن التمنّي واكتفيتَ بمراقبة الضوء يمرُّ عبرك
عبر عينيكَ
مثل سهامٍ
كأنكَ لم تُخلق.
* كاتبة سورية