تقول لي السيّدة جاكلين أرنو أستاذة الأدب المغاربي الناطق بالفرنسية وكنت في بداية الثمانينيات مساعدها في الجامعة الفرنسية: «طاهر، لماذا لا تجمع قصائدك في ديوان، أنت تنشر منذ سنوات أشعارك في المجلات والجرائد، ألَمْ يحن الوقت لذلك؟».


فوجئت بالسؤال وهال عليّ الأمر كأنّه طُلِب منّي مواجهة حالة صعبة كنت أتحاشاها ولا أرغب في مجابهتها. فأنا أنشر قصائدي منذ سنّ الثّامنة عشر، وناهزت اليوم سنّ الثلاثين وأشعر بإحساس عميق بأنّ نشر ديوان أو مجموعة شعريّة عمل فكريّ يتطلّب جهداً كبيراً واقتناعاً قويّاً بنضج الكتابة وتمرّسها، ولا فائدة في التّسرّع وقد تكون لذلك عواقب خطيرة إن باء بالفشل، وربّما كانت البداية نهاية.


هل تكون «اللّغة الفرنسية منفاي» كما كان يقول مالك حدّاد؟


هل أستطيع فعلاً تحمّل ثِقل أيّ إحباط أو هزم لمعنوياتي إنْ قوبل الديوان بنقد لاذع أو رأي سلبيّ أو عدم اكتراث؟ وكيف السبيل إلى نشر ديوان جديد والدنيا ملأى بالكتب والدواوين والأشعار؟ شكرت الأستاذة على ثقتها فيما أكتب، وهي التي كانت تُدرّس وتُعرّف بأعمال عديدة لكُتّاب مغاربيين ككاتب ياسين، ومحمد ذيب، وإدريس الشرايبي، ومحمد خير الدين، والطاهر بن جلّون وعمران المليح. أضافت جاكلين وكنت طالباً عندها في الجامعة التونسية في السّبعينيات، قبل سجني ورحيلي إلى فرنسا في عام 1976: «إنْ أنت اقتنعت بما أقول، هناك دار نشر جديدة تُدعى «سيلَكْسْ» وصاحبها من أصول كامرونية، ويمكنك الاتّصال به. بعد أشهر من التردّد، جاء الإقدام على بدْء المغامرة وطُرِحت عليّ مسائل أخرى: هل تكون «اللّغة الفرنسية منفاي» كما كان يقول مالك حدّاد؟ كيف يكون تنظيم الديوان؟ كيف يكون اختيار القصائد والتخلّي عمّا بهت منها؟ كيف يكون تنسيق الموادّ وترتيبها؟ هل أنا في حاجة إلى تقديم أو مقدّمة؟ كان يقيني شكاً واحتياري مُلِحّاً. بحثتُ عن عنوان لما كنت أعتبره موحياً بمادّة الكتاب، فلْيكنْ «حارث الشّمس» وفيه من كتابة المنفى والمهجر نصيب، ومِن ذكريات السّجن ألم ومرارة ومن الهيام والصراع مع الحرّية معاناة، ولكنّ الأمل تشبّث عنيد بحرارة المبادئ وعصارة الأيام ونُسْغها.

فلْيكنْ «حارث الشّمس»
وفيه من كتابة
المنفى والمهجر
نصيب، ومِن ذكريات السّجن ألم ومرارة، ومن الهيام والصراع مع الحرّية معاناة

سلّمت في الأخير المخطوط إلى صاحب الدار الذي وافق على نشره ثمّ بقيتُ أشهراً أترقّب صدوره بين قلق وتخوّف من النتيجة وراحة لتمكّني من التغلّب على هذا الحاجز الأوّل، بين صبر مُرهِق وتريّث متعقّل، تتكاثر التساؤلات حقيقيّة أو خياليّة. كأنّ للكتاب المُنتَظَر أهميّة قصوى في حين أنّه لا يعدو أن يكون قطرة في محيط أو حبّة في «كتاب الرّمل» كما يقول بورخيس. ولكنّ إضافة كلمة من صنيعك إلى برج بابل رغم غوغاء اللغات وصخب اللغو تصبح كعصا موسى. فأنت لا تعتبرها تطاولاً على فكر الإنسانية أو تشويشاً على تاريخ الإبداع بل رغبة عميقة في أن تعبّر، مِهما كلّفك ذلك، عن واحة ذاتية خصبة تُحدّقُ بها مساحات الجدب والقفر ولا بأس من النزوع إلى الازدحام. بقي أنْ تقبل أنّ صدور الديوان هو كريشة في مهبّ الرياح ولا حيلة لك فيه وأنت تسعد إذا ما أسعفك الحظ وأصبح دور المتلقّي مساهمة نقدية جدّية تتعدّى مجرّد القراءة السريعة.
صدر الديوان في عام 1983 في غلاف برتقالي، وهتف إليّ الناشر: «تعال نحتفي بصدور الكتاب، الطبعة متواضعة ولكنّها جميلة. لا تشغل بالك، سيكون له قبول حسن وطول الانتظار له مزايا».
كان صباحاً باريسياً منعشاً، وكنت كحارث شمس تحملُ بين أشعّتها بعضاً من نور يبدّد ظلمة بغيضة وينتصر على حزن موحش.
غريب أمر هذا المولود الأوّل الذي نحمل إلى صفحاته أكثر من غيره فيما ننشر لاحقاً، عطفاً وحبّاً رغم ما في الكتابة من خطوات أولى متعثّرة والتي سرعان ما نصبو إلى تجاوزها.

* شاعر تونسي مقيم في باريس
آخر أعماله: «شجرة توت حزينة في الربيع العربي» (المنار، باريس، 2016)،
«كتاب الذكرى» (إليزاد، تونس، 2016)