انتشرت في الفترة الأخيرة تعابير مثل «المدن الخضراء» أو «المدن الذكية» أو «المدن المستدامة»، للتعبير عن الاهتمام في المدن بوصفها المسبب الأول لتدهور بيئة كوكب الأرض وبوصفها المنقذ الأول له أيضاً. ولا يخرج المنتدى الدولي الذي عُقد في روما نهاية الأسبوع الماضي حول «مدن المستقبل» وشاركنا فيه، عن هذا المسار.


إلا أن هذا الخيار، لم يأتِ عن درس بقدر ما أتى من عبث. أي إنه لم يأتِ جرّاء دراسات معمّقة في بيئة الأرض، وما آلت إليه مفاهيم طالما سيطرت على عصر برمّته مثل «التنمية» و»التقدّم» و»الرفاهية» و»اقتصاد السوق» و»المنافسة» و»تحرير التجارة»... بل جاء بعد فشل الدول (لا سيما «المتقدمة» منها) والأمم المتحدة في وضع اتفاقيات دولية مُلزمة، أو بسبب عدم احترام أية اتفاقية كان يمكن أن تخفّف من المشاكل العالمية الكبرى كتغير المناخ وتدهور حالة الكوكب.
لا تنفصل بيئة المدن عن بيئة الكوكب إلا بزيادة تمركز السكان فيها وزيادة تلوث هواء في أجوائها، مقارنة بنوعية هواء الأرياف. أما نوعية المياه والغذاء، فهي نفسها تقريباً، إذ يتمّ تزويد المدن الرئيسة بالغذاء والماء من خارجها، وما يصيب سكان المدن يصيب سكان الضواحي من هدر وتدنٍّ في النوعية وتلوث... إلخ، فمعظم مصادر البناء والغذاء والدواء والماء ليست في المدن.
وحدها تركيزات الملوثات في هواء المدن والأمراض الناجمة عنها هي دائماً أعلى بسبب زيادة وتمركز السكان فيها، وبسبب حركة النقل الكثيفة واستهلاك الطاقة وزيادة الطلب عليها. مع الإشارة إلى أن أيّ مدينة لا تستطيع أن تؤمن سياسات خاصة للنقل والطاقة بمعزل عن سياسات الدول. وهنا بيت القصيد، في مقاربة سياسات الدول والمشاكل الناجمة عن هذه السياسات التي لا يمكن مقاربتها إلا بسياسات جديدة على المستوى الدولي نفسه.
فحديقة في مدينة مقتظّة لا تنقذ مدينة، إذا كانت الغابات في محيطها قد تم اقتلاعها أو تدميرها بالعمران على الطريقة المدنية. تماماً كما أن مدينة مهما كانت «مستدامة وخضراء» لا يمكن أن تنقذ كوكباً هشّاً كالأرض.
المشكلة ليست إذاً في المدن، كما يتصوّر بعض صغار المستفيدين من مشاريع ما يسمى التنمية. ففكرة الاهتمام بالمدن، هي كفكرة الاهتمام بالمشاريع الصغيرة، بالاستثمارات الصغيرة، وهي فكرة من يحب النموذج التنموي والاقتصادي المسيطر، إنما لا يجد مكاناً فيه، ولا يجد سبيلاً لمنافسة كبار المستثمرين في كبريات شركات الطاقة والمياه والمعادن والصناعات الثقيلة أو تلك الإلكترونية الدقيقة. وعليه، لا أمل من تكوّن أفكار مثل المدن المستدامة أو مدن المستقبل، أفكار منقذة لبيئة الكوكب أو لاقتصاد الدول. ولا سبيل للتغيّر، إلا بتغيير جوهري في النموذج الاقتصادي المسيطر، وفي الأفكار والقيم المسيطرة كالتنمية والتقدم والرفاهية. لا سبيل للخلاص إلا بتغيير نظرتنا إلى الكون والآخر ولأنفسنا وتغيير أسلوب عيشنا.
ولعل المشكلة الأساس التي باتت تواجه الدول والمدن ضمنها، هي في عدم تبنّي مفهوم للتنمية المستدامة يدمج بين كل القطاعات الأساسية، ويوفّق بين متطلبات ما يُسمى التنمية وكيفية الحفاظ على ديمومة الموارد، المستنزفة في المدن كما في الأرياف.
كما لا يزال الغموض يكتنف مفهوم «التنمية المستدامة» نفسه، بالرغم من انتشاره العالمي وتبنيه على مستوى عالمي أيضاً. وحتى تاريخ إعداد هذا المقال، لم يكن لبنان قد أنجز استراتيجية للتنمية المستدامة وتم تبنيها من الحكومة اللبنانية. وهي حال دول المنطقة أيضاً. وإذا كانت بعض الدول قد وضعت استراتيجيات للتنمية المستدامة، فهي بالتأكيد لا تُحترم، أو هناك خلاف على طريقة تفسيرها أو تطبيقها، أو وقعت ضحية تضارب الصلاحيات، أو ضحية استقواء وزارات أخرى تتحكم بإدارة الموارد.

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]