I


رغم أن بول كان قد تجاوز الواحدة والأربعين، العمر الذي من المفترض ألا يترك شيئاً خلفه إثر زوال الغشاوة الرومانسية سوى الصلب والدم وإكليل الشوك والذباب، فإنه كان ما زال يرى بعين الخيال. لوهلةٍ تخالُ أنه السذاجة نفسها ناطقةً، ماشيةً على قدمين، ولشدة صدقه بما كان يؤمن به، كان لا بد أن تؤمن معه حتى تمسُّكَ عدوى اليقين العاطفي، فتصدقه تماماً وتكاد تشمّ روائح طبخات وخلطات غريبة كان يفكر في اقتراحها على الطهاة.

وإن تكلّم عن الماضي ترى ظله وهو يقفز بصحبة والده في نزهات صيد سمك متكررة على ضفتي الراين، وتحسُّ بأنفاسه محبوسة وقد سها مع جده لأمه ناظراً إلى الكمال في أبراج كاتدرائية كولن. وليست على النقيض تماماً، كانت آنّا تُكْثِرُ من «لَكِنْ». تستدرك لتنظر بعين الشك، ابن العقل البار الذي يلوث، وبل يتركُ وَهَنَاً حين يشتدُّ عليها وفقدانَ شهية وشحوباً في الوجه. ولذلك بينما كان بول يجلس متلهّفاً أيام الآحاد محموماً يكتب الرسائل التي سيدسها بين سندويشات كوكو في صباح اليوم التالي، فإن آنّا كانت تهجس بالاستغفار عن ذنوب لم ترتكبها، تستغرق في الصلوات لتخفف من الشك الذي بدا كأنه قد جرح حدقتي عينيها ليبدو كل شيء مشوهاً رغم أنها بالكاد كانت قد تجاوزت الثالثة والعشرين.

II


ثلاثة أيام ورسائل بول كانت تعود مع كوكو دون أن تُفْتَح.
رافقت آنّا خلالها الأم بياتريس إلى مخيمات الأرمن في قارلق وأقيول والسبيل وثم في اليوم الأخير إلى حي العقبة، إلى الميتم الذي كان يديره القس هارون شيرادجيان في المنزل المحاذي للقنصلية الألمانية.
كان عالماً آخر ينبثق أمامها ويمرّ بغرابة لم تحدّد ماهيتها بالضبط. لكنها كانت تحس تماماً بشيء يضغط على معدتها، وكادت أن تختنق في مخيم السبيل ليس من قلة الهواء أو الروائح بل من الحنق، حين وجدت نفسها واقفة على حافة خندق كان قد حُفِرَ ليُلقى فيه كل صباح موتى الليلة السابقة، سحبتها من يدها الأم باولا واتجهتا نحو الباب، وهما تغادران لاحظتا رجالاً ونساء من أهل المدينة بملابس نظيفة يدخلون. في الحال أوضحت لها الأم بياتريس أن أتراكاً وعرباً ويهوداً من المحرومين من الأولاد، يأتون في العادة لشراء الصبيان والبنات من ذويهم. تابعت: «ربما يتململ الأب، ربما تمتنع الأم، لكن في النهاية هذا ينقذ من البرد والجوع والتيفوس والكوليرا والموت». كانت ستكمل لولا أن قاطعتها آنّا: «اللعنة، بهذه السهولة».
– لا لا، ردت بياتريس الأم، ليس من السهل أختاه، ليس من السهل، ولا شيء يحدث في الحياة بسهولة، وأضافت: «أغلب الأمهات بعد أن يتنازلن، يصبحن مكتئبات منطويات وبلهاوات، هذا إن لم يصلن إلى الجنون التام».
بينما كانت آنّا تنحني لتلمس أرضية التبن التي تُسْتعمل كفراش للأطفال في ميتم القس شيرادجيان، كان بول يروح ويجيء ينظر إلى باحة الروضة. كان غاضباً ونزقاً وما إن تفقّد الغرف والصالة والمطبخ والحديقة بخطوات سريعة حتى دخل إلى غرفته وأغلق الباب خلفه.
رأى سكين مطبخ على الطاولة، كان قد نسيها بعدما قشّر تفاحة عند الفجر، حملها إلى قرب وجهه، تأمل المسامير الثلاثة في المقبض، حكّ بحدها ظفر إبهام يده اليمنى، وثم بضربة قوية غرس رأسها في خشب الطاولة، ليجلس بعدها على كرسي واطئ لا مسند له. رأى أن ما يحدث له ليس من العقل، بقي في مكانه أكثر من ربع ساعة يفرّك يديه ببعضهما ثم تخيل أنها موجودة لكنها لا تحب أن تظهر له، وابتسم حين تصور أنها تمتحنه، تمر هنا وهناك وتراقبه، وما إن تخيل أنها حقاً ربما موجودة وتراه وأنها مختبئة خلف باب ما وربما ستفاجئه، حتى ابتسم لنفسه، وضع رأس سبابته في الجرح الذي أحدثه السكين في الخشب، وشيئا فشيئاً كاد قلقه أن يزول بل أصبح لطيفاً مع نفسه، خفيفاً مرحاً ولم يكن من شيء يقلقه لحظتها سوى الخفة التي انتابته فجأة. ليلاً في ذلك اليوم، سيلاحظ للمرة الأولى أنه كلما كان يحين منتصف الليل، كانت أصوات غريبة تصدر عن خزانته الثمينة، خزانة خشب الجوز المطّعمة باللؤلؤ والفضة وعيون المرايا الصغيرة.

III


لا شيء يفوق السعادة التي يمنحها الحب سوى التعاسة التي يخلفها الحب نفسه فيما بعد، تمتم مع نفسه وهو يودع نهاره الذي قضاه متمشياً على تخوم قويق. كانت عائلات تتنزه هناك تحت الأشجار. أحس لوهلة أن الحياة حيث ينظر لا حيث يكون، وأنها لم تعد تخصه، كان الماء موحلاً في أماكن ومغطى بأوراق في أماكن أخرى. أما الأشجار فكانت تبدو كائنات شبحية يكتنفها الرماد لا الغموض على طول الطريق الذي طالما سلكه، ليستخلص ساعتها أن الطريق ليست سوى أثرٍ غريبٍ تحفره أقدام بائسة تنفر من بعضها ومن الأجساد التي تحملها.
تهبط إبرة الغراموفون في صالة الطابق الأول، فتصدر الموسيقى من القمع الذهبي اللامع ملتفة بين المقاعد والسيقان والأذرع لتستقر حول «خذني معك بعيداً من هنا» ويتردد رنينها على بلاط الصالة الأخضر البيج البني بين الجدران المطعّمة بالخشب والأبواب القوية الصلدة ذات المصراعين. تدور الأسطوانة وتتكرر اللازمة ليأمل كل من يصغي للأغنية بأحد ما أكثر قوة، أشد جمالاً، يبتسم بقلب مفتوح ويد ممدودة من بين الضباب، لا يأبه للطريق لا للغيوم، لا للفتور ولا للوهن.
خذني معك وتظنه آنا بعيداً عن الأجراس، بعيداً عن الله الذي لم تره للآن ولم يره أحد، بعيداً عن المدارس والجوارب البيضاء والمغفرة والأخطاء النوايا والشهوات المكبوتة، بعيداً عن يجوز ولا يجوز، بعيداً عن الأفواه الرمادية الممتلئة بالاعترافات في الوجوه المطهرة بالدموع.
بعيداً من هنا خذني معك، ويظنه بول بعيداً عن الأوامر والنواهي، عن الجنود والأرتيستات، عن المهندسين والجنرالات والباشوات، عن تزلّف الخدم وغطرسة الملاك، بعيداً عن البهارات والصابون والنعناع واللحوم والبطاطا، بعيداً عن الشرفات المغطاة بالعرائش والسلم والقبو والدرج والممرات والغرف، بعيداً عن المواقد والشمعدانات والأسرة وخزانات المياه.
وثم حين ستتوقف إبرة الغراموفون عن الضغط، يعود كلٌّ إلى مكانه. تذهب آنا إلى الظلام تتقاسمه مع الأخوات، يذهب بول إلى اليأس الأبيض حيث ستصرّ الأصوات حتى يغفو منهكاً من صرير الأصوات، وهو ينظر في خشب الخزانة في الحواف في الظل في المقبض بثباتٍ لا جدوى منه، من عينين لا تريان بل تنتقمان من مجهولٍ ينخر في الظلام.

IV


بدأ الأمر بخدش أقل من سنتيمتر واحد على المعصم الأيمن بدءاً من الشامة البنية الصغيرة حتى حافة الوريد، ثم أخذ يستيقظ ليرى خطوط الخدوش على كامل الصدر. ذات يوم وجد بقعة دم بحجم الكف على المخدة وجرحاً في صوار الفم شك أنه ربما عض عليه أثناء النوم، ثم بدأ يلاحظ الكدمات على أنحاء مختلفة من جسمه، تحت العين، في الخصية، جلد الكتف وأنحاء أخرى، وصار بحكم العادة يدخل الحمام حالما يستيقظ. يدخل الحمام مسرعاً يخلع عنه ليرى أينما أذي هذه المرّة. الغريب أنه كان لا يتألم، لا في النوم ولا في النهار، فقط يرى جزءاً منه قد انتهك. وحين التقى بآنا كان مشوشاً تماماً ومشغولاً بنفسه حتى الهوس، قال: أشك أن أحداً ما يجرحني كلما نمت،
كادت آنا أن تتجاهله لكنها سايرته:
– ومن تظن؟
– هذه.
مشيراً إلى يده اليسرى،
حملقت بعينيها زامة فمها بمعنى: هكذا إذن وماذا يدلّ على ذلك؟
– وحدها سليمة، ثلاثة شهور وأنا أُجرَح،
أغمضَ عينيه مكملاً،
– دم، منذ أسبوعين وأنا أرى دماً تحت أظافر هذه،
فقع بول بسبابته حبة من سفط دواء على المائدة، فأصدر السلوفان صوتاً خفيفاً، ابتلع دون ماء، أراد أن يعيد السفط إلى مكانه، لكنه أفلته فسقط قبل الحافة، أعاد حمل السفط عن الأرض وأفلته في المكان الخطأ، قبل الحافة، مرةً ومرةً أخرى.

V


كان كوكو يتنقل بخفة في الأرجاء وبجانبه سيزر وبروتوس، وفي وقت آخر كالي وتراجان، كان نادرةً في إتقان اللغات والتحدث بها بطلاقة، أكثر من سبع لغات، يرتدي بدلة من بدلاته الفاخرة، يقدم البراندي للضيوف، ويقصُّ عليهم قصص العظماء الذين مرّوا هنا وهناك، في الصالة والبار، في الباحة وقاعة الطعام. وكان الكلبان الأبيضان من سلالة غولدن ريتريفر يتحركان إلى جانبه، تارة يرّبت على الرقبة، تارة يمسح الصدر مطبطباً، فيقفان على قوائمهما الخلفية استجابةً لإشارات سيدهما، أو إشارات السيدة سالي، ويمرحان فيزهو السيد ويصفّقُ الضيوف، ويظلاّن يكرران الوقوف وهزّ الذيل حتى يهرما فيُستبدلا حينئذ باسمين آخرين لزوج آخر من السلالة الذكية المطيعة اليقظة، القويّة الفك، الجريئة، الحادّة الشمّ، السهلة الترويض التي لم يكن رأى منافساً أو شبيهاً لها في حياته سوى تلك الجيرمان شيبرد التي كان آرمين، النبيل العجوز، يقتنيهما. ظلّ كوكو يبتدئ بوصف العينين المستديرتين والأنف المدبب الأسود والفم الطويل المستطيل والأذنين القائمتين المتوازيتين المفتوحتين للأمام، كلما كان يتذكر اليوم الذي عاد فيه بورقة وسلمها لبول، بول الذي كان يحاول أن يتماسك مصغياً لتوصيات العجوز على الدرج، دون جدوى بعدما كان قد أوصله الحبُّ لأقصى الحيرةِ، والحيرةُ لأقصى الخُذلان، خُذلان الجسد والقلب والنفس، والخذلانُ لأقصى التّيه بما فيها الاستسلام للأصوات. في الليلةِ التي تلت ذلك النهار، مدَّ بول يده إلى الخزانة، فعادت متنّكرةً له، لم تكن يدُه، كانت يدَ رجلٍ آخر.
لم يستغرق الأمرُ أكثر من ارتعاش البط في قويق، ما استغرق طويلاً كان شيئاً آخر، فمنذ أن فرش الجدُّ أمامه رقعةَ الشطرنج في باحة كاتدرائية كولن، وحرّك الفيل والوزير تلك الحركات الأربع السريعة الرشيقة المدهشة المدمرة، رافقه السؤالُ نفسه الذي ظل يلقيه على نفسه دون أي جواب:
إذا كانت خطة نابليون لقتل الملك واضحة كل هذا الوضوح، فلماذا يقع فيها أغلب البشر؟
* كاتب سوري