يحضر الموت ذلك الحضور الكثيف في ديوان «فصل خامس للرحيل» (دار النهضة ـ 2017) للشاعر محمد ناصر الدين، فلا يكاد نصّ من نصوص المجموعة يخلو من إيماءة ما إلى الموت أو ما يفضي إليه. يمهِّد ناصر الدين لفكرة الموت بنصوص يحضر فيها المرض والمشفى؛ ربما مرضه هو بالذات. إذ نجد في نصوص القسم الموسوم «ما تقوله المشافي»، لا سيّما النص الثاني: «الغرفة 104/ المشفى اوتيل دو دو فرانس/ اسم المريض: اسمه اليوم غير اسمه بالأمس/ لكن في ذلك اليوم بالتحديد: م م ن/ ...». ويصف الشاعر تململ الممرضات من حال المريض الذاهب إلى الموت الذي يأتي كزائر غير مكترث إلا بقطع شريط الذكريات.
يحضر الموت في نص آخر من خلال الأشياء التي تجري إلى نهاياتها: «تصلي الأم بكثرة فوق الدواء السائل/ تدخل أسماك صغيرة في العروق/ النهر مرآة المعافين والمرضى/ وكلما توجه إلى البحر/ كما يليق بالنهايات/ ساواهم بنفسه في المرض».

يحضر الموت في نصوص أخرى من خلال الحرب، ممثلةً بما فيها من موت عبثيّ وبصور الضحايا الذين يحدقون في عيون قاتليهم: «الحرب/ كل مساء يقوم الأطفال من الموت/ يحملون قواميس صغيرة في أكفّهم/ إصبع يسرى، عين يمنى،/ كبد صغير،/ عين زرقاء، شعر أشعث،/ يبحثون عن اليد التي امتدت إلى المعاني/ دون جدوى، يطفئون فوانيسهم/ يرجعون بصمت إلى التراب».
ونقرأ في نصٍّ متقن عن الموت الجماعي في انفجار: «أيها الرب العظيم/ حين تتطاير الأجساد نحوك/ في الانفجار/ أعدها إلى الأرض/ مثل كرة ترتطم بالعارضة،/ ثمة متفرجون كثر هنا،/ ستلوح لك الأمهات بالعباءات السود/ وسيضع الأطفال صورتك مع رقم 1/ فوق قمصانهم،/ ويدق الرجال أحرف اسمك الأربعة/ أو أسماءك الحسنى بلا نقصان/ فوق سواعدهم وعلى الطبول،/ كل ما عليك فعله الآن/ أن تعيد الكرة كاملة/ إلى المربع الأخضر».
لكن الشاعر، وهو بالمناسبة دارس للهندسة الطبية كما تقول النبذة المرفقة عنه، يحاول في نصِّ آخر لا أن يربط الأمراض أو الألفاظ الدالّة عليها بذكريات حميمة فحسب، بل أن يستخرج من تلك الألفاظ معاني ودلالات تناقض المرض وتقف إزاءه، كما لو أنّها تخفف من خطره ومما يرافقه من خوف وقلق: «يسرد الطبيب بالتتالي:/ السكري، الزهري، ترقق العظام، التوحد.../ يفكّر احدهم بالسكر على ثغر مريم/ ثوبها الزهري/ عقلة أصابعها الرقيقة/ وما قالته مريم يوماً عن الحب/ «تبادلُ وحدتين»».
هكذا يتبدّى الموت غير مخيف في بعض النصوص.


يوجه تحية إلى الشهيد وديع حداد في «قصيدة في غير زمانها ومكانها»


بل إنّه يتبدّى بوصفه انبعاثاً للجمال. فمن رمادنا حين نموت تطلع الأزهار، كما تقول القصيدة التي استمدت منها المجموعة عنوانها، «فصل خامس للرحيل»: «حين نُدفن غداً/ سيكون دوماً بستانيون جيدون/ في الحديقة،/ وحين ينحنون قليلاً فوق الأرض/ ليطمئنوا أن الوردة تشق جذرها بثقة/ نحن أيضاً/ نتحسس هيكلنا العظمي قليلاً/ نعتذر بشدة عن غبارنا الكثيف/ نتبخر/ نرتّب فصلاً خامساً للرحيل/ نترك للوردة التراب كلّه». ونصل لحظةً، كما في قصيدة «تبادل الأمكنة»، يتبادل فيها الأحياء والأموات الأدوار، فلا نعود نعلم الحيّ من الميت.
نبلغ صورة الموت الأجمل والضاجّ بالحياة حين تغدو التضحية بالنفس سبيلاً لخلاص الآخرين، كحال المسيح في «أغنيتان للمصلوب»، وفي احتفاء الشاعر بمن تصدّوا للظلم، حيث يحضر الحسين ولوركا ونيرودا.
لا تخلو المجموعة من ثيمات أخرى كعلاقة الشعراء بالصمت الذي يغدو آلية مقاومة قد يمارسها الشعراء في مواجهة ظلم العالم وبشاعته: «تعلم أيها الشاعر شيئاً وحيداً/ من الأبكمين، القلب والصخرة/ الصمت أجمل من الموسيقى». ولا يلبث أن يتحدّث في نصّين آخرين، هما «القديسة» و«الشبهة»، عن علاقة المرأة بجسدها وعلاقة الشاعر بالمرآة، على التوالي.
لعلّ أداء المجموعة يخفت هنا، شأنه في نصوص أخرى عن الحيوانات الأليفة المفترسة، ليعود إلى الارتفاع في نصوص القسم الموسوم «الأشجار والشعر»: «حين يحقد الشعراء على الأشجار/ يقولون إنها كتيبة منسية من الجند/ ضلت طريقها فيبست/ إلا من معاطفها الخضر». في هذه النصوص، يؤنسن الشاعر الأشجار ويحرّف تفكيرنا عن تناولها على أنها مجرد أشجار، لتغدو كائنات نظيرة وأنداداً قد نعاملها بقسوة مفرطة: «ماذا تكتب؟ سألتني الشجرة/ لا أعرف أبداً. وأنت لماذا تسألين؟/ لا أعرف أيضاً/ ثأر سريع من شجرة بليدة».
لا يخفي الشاعر احتفاءه، كما أشرنا أعلاه، بالأشخاص الذين ثاروا على الظلم ودفعوا حياتهم ثمناً لذلك. وهو يوجه تحية إلى الشهيد وديع حداد في «قصيدة في غير زمانها ومكانها» مؤكداً أنَّ القضية الفلسطينية لا تزال تشغلنا. ولا يمتنع عن استخدام أسماء وعناوين (بيتر بلوم، هيغل، لوركا، نيرودا، كتاب «التحولات» لأوفيد...) يربطها بأحداث النصوص، فلا تأتي نافلة ولا نافرة، بل طيّعة مجدولة بالنص على نحو محكم يثري النصوص ويُغنيها.