في روايته «الحي الخطير» (دار الساقي)، يقدم الكاتب المغربي محمد بنميلود طرحاً مرتبطاً بالمفاهيم التي لطالما جعلت العالم موزعاً بين الحثالة والنبلاء. وجعلت المعالجة الروائية من «الحي الخطير»، جزءاً من الأدب الحي الذي يهدم ما تم تأسيس الفضائل عليه، لا الفضائل عينها.
تتحدث الرواية عن عصابة من ثلاثة فتيان، يعيشون في حي معدم، ويجربون بوسائلهم الانتقال إلى حي أكثر تحضراً. يسرقون ويحرقون البيوت، يتشاجرون مع عصابات أخرى، يتاجرون بالكيف والبودرة ويتعرضون للسجن تكراراً. يهربون من أقدارهم، إلى أقدار تستدعي هروباً أشد وطأة، حتى بات الهروب قدرهم الأكثر إشراقاً. وقد بُني عليه السرد الوثّاب بلغة رشيقة اتسمت بها رواية بنميلود، إلى جانب قدرة الكاتب على توليد حكايا بدا أنّها لا تنضب. فالواقع هو خزان حكاياتهِ الأثير، ولو أنّه عالج تلك المعطيات الواقعية بأسلوب تخريبي شيّق!

يطرح الكاتب أسلوبين مختلفين للانتقال إلى العالم الآخر، عالم الأغنياء، في ما يشبه السعي لتحقيق نوعٍ من العدالة الاجتماعية.
لكنه في الحقيقة ليس بتلك المثالية. النوازع التي كانت تحرك شخوصه كانت نوازع انتقاميّة، لا سيما عند مراد ورفيقيه عبد الرحمن ورشيد، الذين مثلوا رؤية تدعو إلى الخلاص الفردي. أن ينقل المرء نفسه، فقط، إلى عالم الأغنياء، وينسف ذاكرة الحرمان والجوع، في حين، يبرز في خلفية تفكير مراد، خاله، الذي مثل دعوة إلى الخلاص الجماعي. فكان الخال، حسبما راح يفكر مراد، خلاصاً فردياً لمشغليهِ. فالخال الماركسي الثائر الذي لم يتبقَ منه سوى كرتونة كتب ثورية، كان ضحية تآمر رفاقه، مما دفع مراد إلى البدء من نهاية خالهِ مستوعباً أخطاءه، فراح يرتكب أخطاءً خاصة بهِ. أخطاء تمثلهُ، وتعنيه وحده وتقود إلى نهايته المجردة. بين وجهتي النظر، رسم الكاتب عالماً سفلياً محضاً، مريباً وملعوناً تسوده الجريمة والعنف والجنس الرخيص والعشوائي. جميع أبناء الحي أبناء عاهرات. ومن ليس كذلك، يُشتم الشتيمة ذاتها كما لو أنّها تحية صباحية. يعتني الكاتب بتفاصيل الحي وشخوصه الرمزيين، القواد والفران والمخبر ورجل الدين. الرجال الذين يتركون زوجاتهم ويغادرون، والنساء اللواتي يصلن إلى الحي هاربات بحمل غير شرعي. والأولاد الذين يجهلون حقائق آبائهم أو يجهلون آباءهم بالكامل. الأحاديث عن الجن وعن الوحوش التي تخرج للصيادين من الماء ومن خلف الأشجار.


تصوير التحالف الدائم بين رجال السلطة ورجال الدين
الحديث عن غضب الله على عبادهِ. في ذلك الجو الصاخب والفوضوي، يمسك الكاتب بكامل خيوط السرد. ويجعل من الراوي مراد الذي يبدأ حدثه من فشل عملية شراء للبودرة، كان يخطط لها مع رفاقه لمدة طويلة. جعل من ذلك الحدث الذي نعتقد أنّه الحدث الأبرز، حدثاً ثانوياً. تعود الرواية إلى تشكيل ماضي الرفاق الثلاثة بشكل راسخ في أذهاننا، وليصير السرد تبريراً لذلك الحدث أو وصولاً إليه. في شكل فني متمكن، انسابت رواية بنميلود بسلاسة إلى نهاية كنا نعتقد أنّها بداية وحسب.
يطلق الكاتب لسان راويه في أفكار ناضجة، تصور العالم مجموعة من العصابات التي تأكل بعضها. وفق المبدأ ذاته، فالدولة عبارة عن عصابة تحتكر القانون وفق مصالح رموزها. ولذلك، فإنّ قتل خال مراد لأنّه أراد حياة كريمة للجميع، هو فعل قانوني، في حين قتل مراد أو أحد رفاقه لأحد خصومهم هو فعل جنائي يستدعي القصاص.
يؤخذ القارئ بنضوج الأفكار التي تحرك مراد وتقوده إلى رؤية نفسهِ رؤية متوازنة؛ فالاقتراب منه «شبيه بالاقتراب من العمى». وبسلوكه لم يكن يسعى للمال والانتقال إلى حياة أفضل فقط، وإنما كان ينتقم من العالم، من كافة أشكال السلطات، ضمناً سلطة الله. تحركه مقولة شرسة مفادها، أنّ كل يوم جديد في الحياة هو يوم حرب. المهم ألا تكون أنت الضحية.
يعمد الكاتب إلى تصوير التحالف الدائم بين رجال السلطة ورجال الدين والحديث عن بساطة الناس في الحي والذين عاشوا على أطراف المدن بثقافة ريفية وفق قانونهم الخاص. في المقابل، تزخر الرواية بالعديد من الشخصيات الرافضة، أكثرهاً اكتمالاً هو العربي، الذي يعمل في الفرن. ولم يكن خاضعاً لأي قانون. لم يكن منتمياً لأي شيء. يسلك سلوكاً مرضياً يبعث على الإعجاب بتلك الشخصية التي بدا أنّها خارجة من مختبر نفسي. لقد كان خارج المجتمع إلى درجة لم يكن هدفاً للمخبرين، واستطاعت السلطات المشرفة على الحي استغلال جرائم القتل المريعة التي كان يقوم بها، وكانت تسجل ضد مجهول كي تعزز سطوتها على أهالي الحي. لكن العربي، بقي يحتطب الأشجار والجثث ساهياً عن الوظيفة التي أوكلها الآخرون لعمليات القتل التي يقوم بها.
صار الحي ساحة قتل لتصفية الحسابات والضغائن. في ذلك المستنقع، ولد شخوص الرواية، وفيه كبروا، وأنجبوا ثقافته. في مصير مظلم عاشوا، أقدامهم في الوحل وعيونهم إلى سماء ناصعة. في الطريق للنجاة من مصير الحثالة، بات مراد يهتم لألم أضراسه أكثر من أخبار الحروب. فالحثالة لم تكن لتنجب سوى الخديعة، ومراد حي في السجن فقط ليهرب، مثلما كان خارجهُ!