«ضحك خفيف عند طلّته، لوز يزهر لابتسامته، عشرون طفلاً يركضون إليه، بحران يعتكران في عينيه، وتحت شرفته هوى، في الشارع الوطني يا وطني، في بيروت يا بيروت...». هكذا غنّى مارسيل خليفة لرفيقه المثقف الملتزم والمفكّر الثوري، الذي أسكتته رصاصات الغدر والرجعيّة والحقد الأعمى يوم 18 أيار (مايو) في شارع الجزائر.


ثلاثون عاماً مضت على استشهاد مهدي عامل (حسن حمدان، 1936 ــــ 1987) في بيروت، وهو متوجّه إلى محاضراته في الجامعة اللبنانية (معهد العلوم الاجتماعية). جريمة صعقت الوسطين الثقافي والسياسي في لبنان والعالم العربي، وأنهت باكراً مشوار أحد أبرز المنظّرين السياسيين والثوريين الماركسيين في آن معاً، خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لكنّ ابن بلدة حاروف (قضاء النبطية) ما زال حيّاً، الآن وهنا، من خلال قراءته النقدية الثاقبة للواقع اللبناني، وعبر «أفكاره ودراساته التي تنتمي إلى الواقع المعاش» وفق ما جاء في كلمة الرفاق الشيوعيين خلال وقفة على قبره قبل يومين، ضمت الجميع، أميناً عاماً ورفاقاً وأهلاً وأصدقاء، في مقبرة الشهداء. صاحب «مدخل إلى نقض الفكر الطائفي» (1980) الذي نال الدكتوراه في الفلسفة في «جامعة ليون» (1956)، ثم أمضى سنوات في الجزائر مع مجموعة من الماركسيين الثوريين، عاد في بداية الستينيات إلى لبنان، ليبدأ اشتغالاته وحفرياته في تلك التربة المعقّدة والمركّبة، مرتكزاً إلى منظومة فكرية قائمة على المنهج العلمي الماركسي والصراع الطبقي. كان مشروعه فهم الصراع اللبناني والعربي بوصفه صراعاً طبقياً، لا طائفياً، أو عشائرياً أو مناطقياً أو اثنياً، كما قد يبدو على السطح. كتب الرفيق «في التناقض»: «إن نزع الطابع السياسي عن الصراع الطبقي، هو الطابع السياسي الخاص بالممارسة السياسية للطبقة المسيطرة». فمصلحة الطبقة المسيطرة إظهار الصراع الطبقي على أنّه صراع بين أفراد أو طوائف، وإخفاء الجوهر السياسي الطبقي لهذا الصراع من أجل المحافظة على نفوذها وهيمنتها وصون مصالحها السياسية والاقتصادية. صاحب «النظرية في الممارسة السياسية. بحث في أسباب الحرب الأهلية» (1979) ميّز بين الايديولوجيا الدينية والايديولوجيا السياسية للطائفة، معتبراً الطائفية مسألة سياسية، نظاماً سياسياً للسيطرة الطبقية من قبل البورجوازية المسيطرة. وضع مهدي عامل أسس حزب البروليتاريا الثوري، مؤكداً على البعد القيادي للطبقة العاملة في تحقيق أهدافها الوطنية، وقلبها... تحرير فلسطين. مهدي عامل… فكره وتركته أساسيان اليوم، لبنانيّاً وعربيّاً، أكثر من أي وقت مضى.