الامتحانات الرسمية لهذا العام ستمر بهدوء ورصانة وبكل الليونة الممكنة وبلا أي مؤامرة على طلاب الشهادات. ربما أخمدت هذه الكلمات التطمينية لوزير التربية مروان حمادة، بداية الأسبوع الماضي، ناراً اشتعلت في نفوس الممتحنين، توجساً من تطبيق التوصيف الجديد لمواد الامتحانات للشهادتين المتوسطة والثانوية العامة بفروعها الأربعة (وفق المناهج التربوية الحالية الصادرة في عام 1997).


اليوم، هدأت «زوبعة» استمرت نحو 10 أيام، وتحديداً منذ التحذير الذي أطلقته رابطة التعليم الأساسي الرسمي، في 5 أيار الجاري، من تبني اللجان الفاحصة في الامتحانات أنماطاً جديدة من الأسئلة نشرها المركز التربوي للبحوث والإنماء على موقعه الإلكتروني وتتوافق مع التوصيف الجديد. أما اعتراض الرابطة فصوّب على تأخير نشر النماذج, محاكاة الأنماط المنشورة الطلاب المتفوقين وليس جميع الطلاب، وعدم مراعاة الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه نماذج الأسئلة للصف التاسع أساسي (البريفيه)، وتحديداً لجهة التسلسل من الأسهل إلى الأصعب ومن التطبيق إلى التحليل والعثور على أخطاء في أسس التصحيح تضع المصححين أمام خيارات متعددة.
لكن، لماذا حصلت الزوبعة تحديداً على النماذج التي يفترض أن تكون عبارة عن أمثلة وتوجيهات للمعلمين وتلامذتهم ولم تقارب الشوائب التي يتحدث عنها تربويون مواكبون للإجراءات الرسمية الأخيرة، والتي تتعلق بمعايير اختيار أعضاء لجان المواد التي وضعت التوصيف الجديد، والإرباك الحاصل بوضع نماذج ثم سحبها وتصحيحها وإعادة نشرها من جديد، وقرار وزير التربية السابق الياس بو صعب بإيقاف العمل ببعض المحاور والفصول الدراسية وإعادة بعضها إلى التدريس في عام 2016؟

تعديل في شكل السؤال

في الواقع، لا يحمل التوصيف الجديد تغييراً جذرياً، بل جرى تعديل لشكل السؤال وخصوصاً لجهة الاعتماد على الأسئلة الموضوعية (المغلقة) والمباشرة في بعض المواد، حيث لا يضع التلميذ إجابته الذاتية بل ينتقيها من الخيارات التي حددها الفاحص، أي: الاختيار من متعدد، ملء الفراغ، تصويب الخطأ، التّوصيل بين بنود مجموعتين متقابلتين، تعبئة جدول وفق معايير محدّدة فيه. إلخ)، وهنا إما أن ينال التلميذ العلامة الكاملة أو ينال صفراً، ما يقلص هامش الفارق بين مصحح وآخر. ومن ميزات هذه الأسئلة أنها تتصف بالشمولية والثبات والمعيارية، لكن الإدارة التربوية لم تأخذ في الاعتبار أنّ هذا النوع من الأسئلة يحتاج إلى مساحات أوسع، وأوراق أكثر، والأصل أن يجيب المُمتحَنُ على أوراق الأسئلة ذاتها، حتّى لا يتكلّف وقتاً وجُهداً لنقله إلى كراس إجابة مستقلٍّ كالمعتاد سابقاً. وهنا يرى بعض المعلمين أنّ أشكال الأسئلة الموضوعيّة تتطلّب تدريباً ومراساً ومهاراتٍ عاليةً للإجابة عنها.

خلل في منهجية التعليم

الروابط التعليمية تشكو من كونها لا تعلم بالإجراءات مسبقاً قبل اتخاذها، أي أنّ القرار التربوي يسقط على المعلمين إسقاطاً، ولا يُشرك ممثليهم في النقاشات التي تتعلق بالمناهج والامتحانات. في المقابل، توضح مديرة الإرشاد والتوجيه ورئيسة دائرة الامتحانات الرسمية هيلدا الخوري أنّ تعديل توصيف الامتحانات الذي أطلق في شباط 2017 حصل بالتنسيق بين المديرية العامة للتربية والمركز التربوي للبحوث والإنماء. وتلفت إلى أن الإرباك الناتج من هذا التعديل هو نتيجة نظام تعليمي لم يساعد التلميذ على تطوير كفاياته بحيث يصبح قادراً على التأقلم مع حالات مستجدّة وحل المشكلات الناجمة عنها. وترى أنّ الانتقال الى تصميم الامتحانات في ضوء التوصيف الجديد سيأخذ بعين الاعتبار الحيثيّات التربويّة بكلّ جوانبها بهدف الحفاظ على مصلحة التلميذ على كلّ الأصعدة.
لكن بعض المعلمين يُقرون بأن الضجة الحاصلة سببها الأساسي خلل في منهجية التعليم، فيقولون إننا «عوّدنا تلامذتنا على التعاطي مع نماذج الامتحانات على أنها قدس الأقداس لدرجة أنّ التلميذ نفسه قد يخضع لاختبارين يقيسان المعارف والمهارات نفسها ويعطي نتيجة مختلفة جذرياً، أي أنه قد ينجح في الاختبار الأول ويرسب في الثاني!». والسبب؟ يبدو لافتاً ما يقوله معلمون لجهة أنّ تلامذة الشهادات باتوا منمّطين على أسئلة الامتحانات الرسمية، أي أنهم يحفظون الأجوبة عن الأسئلة بما فيها الأسئلة التي تعتمد التحليل أو الأعمال المخبرية مثلاً.


أنماط الأسئلة
تعكس طرائق
التعليم وتقيس معارف محدودة
فالمعلم يقول لتلميذه: إذا سألوك هذا السؤال تجيب بهذه الطريقة حتى تضمن العلامة الكاملة! وهنا يشجعه على استخدام الدليل الذي يتضمن نماذج الأسئلة والدورات الرسمية السابقة وأجوبتها والذي بات يأخذ مكان المناهج والكتب الأساسية.

نخبوية معكوسة

لا تستغرب سكارليت صراف، الأستاذة في كلية التربية والمندوبة الثانية في لبنان عن الجمعية الأوروبية لطرائق التقييم في التربية، ما يحصل ما دامت مهمة المعلم حالياً هي إعداد تلامذة قادرين على إعادة صياغة المعلومة وكتابتها ومعالجة أنماط أسئلة معينة تضمن لهم النجاح، وليس الهدف من التقييم بناء مواطن مسؤول ومتسائل وناقد. فأنماط الأسئلة التي تأتي في الامتحان تعكس طرائق التعليم في الصف وتقيس نواتج التعلم (من معارف محدودة) وليس التعلم، وتحافظ على نخبوية معكوسة، إذ ينجح التلميذ الذي حفظ وليس التلميذ المبدع والمفكر. وهذا النمط يضرب المناهج التربوية والكفايات المبنية على أساسها، والكفاية هي قدرة التلميذ على توظيف مجموعة معارف ومواقف من موارده الداخلية والخارجية لإنجاز مهمة أو نشاط.
برأي صراف، تواجه الامتحانات الرسمية امتحاناً عسيراً: هل نبحث عن معدلات نجاح أم عن تحقيق كفايات؟ تجيب: «من الثوابت الأساسية، وهنا يوافقنا المركز التربوي ووزارة التربية، العمل على الكفايات، ما يستدعي تطوير عملية التقييم التقليدية القائمة على النجاح المبني على الحفظ والذاكرة المؤقتة، لتحاكي المستويات العليا في تصنيف بلوم أي التحليل والتفكير، وقد يكون مفاجئاً على سبيل المثال إلغاء «كتابة الموضوع» (dissertation) في مادة اللغة الفرنسية في البكالوريا، بحجة أن التلميذ «ضعيف لغوياً»، فيتم بذلك إضعافه ذهنياً وفكرياً».
وتقول: «إذا أرادت الامتحانات قياس الكفايات يجب الرجوع إلى السجل المدرسي الكامل لإنجازات كل تلميذ وليس الاكتفاء بامتحان رسمي!».
وترى صراف أن أداء التلميذ في هذه الامتحانات ليس مؤشراً لجودة التعليم في المدارس لأنها لا تأتي بمؤشرات حقيقية حول كفايات التلامذة، ما يستدعي تطوير المناهج التربوية بعناصرها الأربعة: الأهداف، طرائق التعليم، المضامين وطرائق التقييم, وإعادة النظر بكل هيكلية الامتحانات مع بروز الحاجة إلى الدراسات والتخطيط والأبحاث القليلة جداً في هذا المضمار.

* للمشاركة في صفحة «تعليم» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]




المركز التربوي: نماذج قابلة للنقاش

تؤكد رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء بالتكليف ندى عويجان أن مسابقات هذا العام ستجمع بين أنماط الأسئلة القديمة والجديدة. وتقول: "ليس صحيحاً أننا تأخرنا في إرسال النماذج، فمشروع "دليلنا" انطلق مع قرار التوصيف عام 2016 ولا يزال فريق العمل يتابع حتى الساعة إصدار نماذج إضافية لمساعدة التلامذة ودعم المعلّم، وهو مشروع مستمر طوال السنة وليس موسمياً".
وتوضح أنّ التوصيف الجديد أتى استجابة لأهداف مناهج 1997، لكنه أدخل بعض الأنماط الجديدة في طرح الأسئلة بهدف تنظيم عمليّة التقويم وتوجيهها ضمن منظومة علميّة ثابتة، بعدما تحوّلت الأسئلة ومعايير الإجابة في بعض مواد الامتحانات الرسميّة إلى ما يشبه العرف، دون مراعاة تقييم الأهداف التربويّة في بعض الأحيان.
بحسب عويجان، كان التوصيف السابق عامّاً وفضفاضاً، يسمح بالكثير من التأويل إنْ في طرح الأسئلة أو في معايير الإجابة والتصحيح، وأتت الأنماط الجديدة نتيجة ورش عمل عدّة نظّمها المركز التربوي خلال الأعوام الماضية، ودراسة لمعدلات النجاح في الامتحانات الرسمية ولأسئلة الامتحانات الدولية (PISA – TIMISS)، ولمباريات الدخول إلى بعض الجامعات المحلية والعالمية.
وتبدي عويجان استعداد المركز لاستقبال أي ملاحظة أو تعليق باعتبار أنّ كلّ مشروع يحتاج إلى متابعة حثيثة تجنباّ للأخطاء غير المقصودة و/أو الناجمة عن التكنولوجيا وعن الطبيعة البشريّة. لذا، هناك مراجعة دوريّة لكلّ ما ينشر. ويستجيب القيّمون على الموقع لكلّ الملاحظات المحقّة ويجرون المقتضى بالسرعة الممكنة حرصاً على مصلحة المستخدمين وسعياً إلى أجود النتائج.