في مؤتمرها «F8» نهاية شهر نيسان الماضي، استعرض الرئيس التنفيذي لشركة «فايسبوك»، مارك زوكربيرغ، رؤيته لمستقبل التواصل الاجتماعي من خلال ما يسمى الواقع المعزز، وهي التقنية الجديدة التي ترتكز على مبدأ إسقاط الصور الرقمية على العالم الحقيقي باستعمال نظارات رقمية خاصة، إذ بإمكان هذه التقنية أن تحل مكان التلفاز أو الهاتف الذكي والأجهزة الإلكترونية الأخرى.


وتساءل مارك عن جدوى امتلاك تلفاز في المستقبل، حيث «يمكنك شراء تطبيق للتلفاز بدولار واحد ووضعه على الحائط لمشاهدته»، أو عن جدوى حمل هاتف ذكي إن أمكننا إسقاط التطبيقات والألعاب والمحادثات إلى العين مباشرة. هذه الفكرة وحدها بإمكانها أن تعطي «آبل» ــ التي تستمد غالبية عائداتها من الـ«آيفون» ــ سبباً للقلق. وفي حين انه يقال إن «آبل» تقوم بإدخال الواقع المعزز إلى الـ«آيفون» الجديد، فإن فايسبوك تتصور نهاية للهاتف في العقد المقبل.
الذكاء الاصطناعي أو الواقع المعزز كان له حيّز جيد من مؤتمرات «مايكروسوفت» و«غوغل»، لكن ما تم عرضه أيضاً بإمكانه أن يشكل تهديداً أكبر لمستقبل «آبل».


«غوغل لانس» يتيح للمستخدم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي عبر استخدام
كاميرا الهاتف
«مايكروسوفت» من جهتها أعلنت في مؤتمرها «Microsoft Build» هذا الشهر عن نظام «Microsoft Graph» الذي يتيح للمستخدم تتبّع العلاقات بين المستندات والملفات عبر الحاسوب أو الهاتف الذكي، حيث بإمكان المستخدمين، لاحقاً هذه السنة، من العمل على مستند «Word» على نظام «ويندوز 10»، وإكماله على الـ«آيفون» أو على الـ«آندرويد»، حتى إنه بإمكان المستخدمين إرسال هذه الملفات عبر المساعد الشخصي «Cortana» باستعمال خاصية التعرف على الصوت. أما «غوغل»، فكشفت بدورها في مؤتمرها «Google I/O Conference»، قبل أيام، عن نظام «غوغل لانس»، النظام الجديد الذي يتيح للمستخدم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي عبر استخدام كاميرا الهاتف. «طريقة لفهم العالم الخارجي بمجرد النظر إليه» أو بمعنى آخر، استخراج المعلومات والبيانات من الصورة. فمثلاً، بإمكانك تصوير صورة لبطاقة السينما ويقوم النظام بإظهار معلومات عن الفيلم، أو بإمكانك الاتصال بالإنترنت عبر تصوير جهاز الـWi-Fi من دون الحاجة إلى إدخال كلمة المرور.
ما يميّز هذه الشركات وما يعدّ تهديداً لمستقبل «آبل» أنها تقوم بجمع الكثير من المعلومات عن المستخدمين من أجل الاستفادة منها لاحقاً؛ فمثلاً «فايسبوك» لديها المعرفة بالعلاقات الشخصية للمستخدمين من خلال استخدامهم الـ«فايسبوك» و«الواتساب». أما «مايكروسوفت» فلديها المعرفة بالجوانب المهنية من خلال التطبيقات المكتبية «Office» وكيفية استخدام نظام التشغيل «Windows»، و«غوغل» لديها اطلاع واسع على حياة المستخدمين من خلال نسبة مستخدمي «آندرويد» المرتفعة أو من خلال عمليات البحث اليومية. كل منها يستخدم هذه البيانات لتقديم خدمات أفضل للمستخدمين، وهي أقرب منها إلى الشخصية التي بدورها تساعد المستخدم في مهماته اليومية. وباتت هذه الشركات تركز على جمع وتحليل البيانات بدلاً من الأجهزة، وبات بالإمكان الاستفادة من هذه البيانات من دون التقيّد بجهاز محدد، كما هي الحال في «آبل»؛ فمثلاً، أصبح بالإمكان استخدام نظام المساعد الشخصي من «غوغل» على أجهزة الـ«آيفون» أو استخدام «Cortana» المساعد الشخصي من «مايكروسوفت» على أجهزة الـ«آندرويد»، الأمر الذي يتيح لهذه الشركات الاهتمام أكثر بخدماتها والبيانات، من دون القلق على مستقبل الأجهزة الخاصة بها. أما «آبل»، فإن وجودها على طريق الذكاء الاصطناعي قد بدأ بالفعل منذ سنين عبر المساعد الشخصي«Siri»، الذي يعتبر الأكثر استخداماً في العالم مقارنة بغيره من الأنظمة، إلا أنه ما زال لديه بعض السلبيات مقارنة بغيره؛ فمثلاً، نظام «Alexa» من آمازون لديه قدرة أوسع على التعرف على الكلام ويتيح لمستخدميه الاستفادة من الأجهزة المنزلية الذكية.
طبعاً تقوم «آبل» بجمع البيانات من مستخدميها، إلا أنها تفتقر اليوم إلى استراتيجية واضحة ومتماسكة للاستفادة من كل تلك البيانات. وبسبب التزامها العام بالخصوصية، كانت الشركة حذرة من الطرق التي تجمع بها المعلومات وطرق استخدامها، الأمر الذي منعها من استغلال كامل للذكاء الاصطناعي والبيانات بالشكل المطلوب، كما هي الحال في الشركات المنافسة التي لا تراعي كثيراً خصوصية زبائنها. صحيح أن الشركة قامت بدمج بعض من الذكاء في نظام تشغيل الـ«آيفون» «iOS» أو «Siri»، حيث بإمكان «Siri» أن تقترح بعض التطبيقات الجديدة، وبإمكان نظام الخرائط «Apple Map» أن يخبرك بأسرع طريق للوصول في الوقت المحدد إلى العمل، لكن تبقى تطبيقات «غوغل» على الـ«آيفون» الأفضل والأنجح من التطبيقات الأصلية لـ«آبل»، مثل تطبيق الخرائط «Google Map» أو تطبيق الصور «Google Photos».
مع ذلك، خبرت«آبل» مثل هذه التهديدات، وسيكون من الغباء التنبّؤ بزوالها، إذ إنها ليست المرة الأولى التي تتخطى فيها الشركة منافسيها؛ فرغم أنها لم تكن السباقة في أكثر من مجال، في السابق، كما هي حال عالم الموسيقى أو الهواتف والألواح الذكية، في نهاية المطاف حققت نجاحاً كبيراً في هذه المنتجات، خاصة بعد عودة ستيف جوبز. ومع ذلك أيضاً، وأمام تقديم كل من «غوغل» و«مايكروسوفت» و«فايسبوك» نظرة طموحة وخلاقة عن الأنظمة المستقبلية الذكية، تواجه «آبل» تحدياً أكبر من أي وقت مضى، لذلك حين يأتي دور «آبل» في مؤتمرها السنوي الشهر القادم، عليها أن تكشف عن نظرة جديدة للمستقبل وليس فقط تقديم أجهزة جديدة وبرّاقة.