غيّب الموت سهيل عرفة (1934- 2017) بعد صراع طويل مع المرض العضال. هناك خطأ ما في صوغ الخبر، أو حياكته، أو تدوينه. شخصية متفرّدة مثل الموسيقار سهيل عرفة عصيّة على العبور السهل، أو الغياب، مثله مثل أي نقطة علّام في دمشق، لا يمكن أن نتجاهل موقعها على الخريطة، كأن نقول «ساحة المرجة».


على نحوٍ أدقّ، سنرسم خطاً مستقيماً، يمتد من حي الشاغور الدمشقي العريق إلى شارع السنجقدار على كتف ساحة المرجة. في ذلك الشارع الصاخب، افتتح سهيل عرفة محلّاً صغيراً لتصليح أجهزة الراديو. كان الشاب مفتوناً بصوت فريد الأطرش، ويحلم بأن يكون عازف عود مثله. بدا حلمه عصيّاً على التحقّق، بعدما اكتشف والده أن ابنه قد ابتاع عوداً وخبأه في غرفته. سيحطّم الأب عود الابن بلا ندم، لكن الفتى سيجلب عوداً آخر، وسيحطّمه الأب أيضاً.
في «دكان الموسيقى»، كان الفتى يستمع إلى أصوات الخمسينيات بافتتان، غير عابئ بصخب الشارع، لكنه سينتبه إلى وجود مقرّ إحدى أشهر صحف تلك الحقبة، جريدة «الدنيا» لصاحبها عبد الغني العطري، قبالة المحلّ، وكان يتردّد إليها معظم كتّاب وأدباء وفناني العاصمة.


ستلمع شهرته بعدما أهدى
صباح لحن أغنية «ع البساطة»

أحد هؤلاء كان الموسيقي المعروف عبد العزيز الخياط. لكنه هذه المرّة سيتجه إلى دكان تصليح أجهزة الراديو وآلات التسجيل، ويطلب من صاحبه إصلاح آلة تسجيل معطّلة.
صحبه الشاب إلى منزله، وأصلح الآلة، وحين اكتشف وجود عود في الغرفة، طلب الإذن بالعزف. سوف تكون هذه الزيارة منعطفاً في حياة الفتى، إذ تعرّف هناك إلى عدنان مراد، أبرز الصحافيين الفنيين حينذاك، ووعده بأنه يدخله «إذاعة دمشق» التي لا تبعد عن محله أكثر من مئة متر «شارع النصر». في الإذاعة، سجّل لحنه الأول بصوت شاب كان يعمل كورساً في فرقة الإذاعة (ملحن مغمور لصوت مغمور). كان هذا المردّد يحمل اسم فهد بلّان. لاحقاً، سيعرّفه عدنان مراد إلى نجاح سلام التي كانت تغني في أحد الملاهي الدمشقية. في الكواليس، أسمعها ثلاثة من ألحانه، فوافقت عليها فوراً، وسجلا أول أغنية بينهما «رمانا بحبه». كانت دمشق الخمسينيات قبلة العرب الفنيّة، وكانت «إذاعة دمشق» مقياساً لنجاح أي صوت بمجرد إطلاقه من استديوهاتها. لكن سهيل عرفة لم يكتف بمجد «إذاعة دمشق» وحدها، بل تجاوزها إلى «إذاعة لبنان» ليصنّف ملحّناً من الدرجة الأولى فيها، بتزكية من حليم الرومي. ستلمع شهرته بعدما أهدى صباح لحن أغنية «ع البساطة» (1965) التي لاقت نجاحاً ساحقاً. هكذا، سيضع سهيل عرفة توقيعه النغمي على أغاني معظم المطربين العرب كشادية (يا طيرة طيري ياحمامة)، ونجاة الصغيرة (يا غزالاً عني أبعدوك)، وشريفة فاضل (سكابا يا دموع العين)، وسميرة توفيق (والله لركب بالصاروخ)، وديع الصافي (يا دنيا)... اللافت في ألحان عرفة أنه ظل مخلصاً لجملة موسيقية سورية، من دون أن ينساق إلى اقتباسات من خارجها. وسنجد نكهة خاصة في توليف ألحانه بمزيج من النغم الشعبي للبيئة الشامية واللون الطربي، فاتحاً القوس على إيقاعات سورية قديمة تمتد من أبي خليل القباني إلى الحداثة الشعبية بمزيج من روائح توابل محليّة، وشجن عتابا بدوية في قراءة معمّقة للموروث السوري وتنويعات تضاريسه النغميّة، بالإضافة إلى الابتهالات الدينية والمزاج الصوفي كترجيع لطفولته البعيدة في حي شعبي. كما أسهم في تأليف الموسيقى التصويرية لعددٍ من الأفلام السورية، أبرزها «الفهد» لنبيل المالح، و«نحن بخير» لفيصل الياسري، و«شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب» لقيس الزبيدي، وألحان أغنيات مسلسل «ساري» لعلاء الدين كوكش، بصوت مصطفى نصري ومها ثروت، وكلمات ممدوح عدوان.
في فترتي الستينيات والسبعينيات، نهضت الأغنية السورية على حاملين أساسيين هما سهيل عرفة وعبد الفتاح سكر. وفي غيابهما، احتضرت هذه الأغنية تدريجاً، لمصلحة أغاني الملاهي الليلية والكراجات. إلا أنّ الأول برحيل الثاني، ظل وفيّاً لهوية هذه الأغنية تلحيناً ونقداً وذاكرة، كحارس صلب في مواجهة التفاهة والخفّة، عابراً الحدود بموسيقاه، وبأصوات صباح فخري، ودلال شمالي، ومها الجابري، وفهد بلّان، ومصطفى نصري، وأمل عرفة، إلى محمد عبد المطلب، وسمير يزبك، ونصري شمس الدين، وسميرة سعيد، وطروب.
لا يحتاج الراحل إلى تكريمات، وأوسمة إضافية، ومراثٍ، فقط إلى شارع باسمه. شارع نعبره، ونحن نستعيد تلك البهجة المراوغة في لحنه لأغنية «من قاسيون أطل يا وطني»، وذلك الشجن الصوفي الآسر في أغنية «يا دنيا راحوا الحبايب».