كان | لم تكن السينما اللبنانية غائبة عن «مهرجان كان» هذا العام. من جهة، كُرِّم جورج نصر مع عرض النسخة المرممة من «إلى أين»، بعد مرور 60 عاماً على مشاركته في المسابقة الرسمية في المهرجان (راجع المقال في مكان آخر من الصفحة)، ومن جهة أخرى، افتُتح مشروع «مصنع لبنان» في تظاهرة «أسبوعي المخرجين» الموازية للمهرجان نفسه.


الأفلام الأربعة القصيرة التي ضمها المشروع كانت: «وايت نويز» لأحمد غصين والفرنسية لوسي لاشيميا، و«سلامات من ألمانيا» لرامي قديح والبوسنية أونا غونجاك، و«أوتيل النعيم» لشيرين أبو شقرا والإيطالي- السويسري مانويل ماريا بيرّوني، والـ «غران ليبانو» لمونيا عقل وإرنستو فيلالوبوس من كوستاريكا.
وقع اختيار مشروع «فاكتوري» الذي يلتفت إلى مخرجين شباب من بلد ما، على لبنان هذه السنة. بعد البحث ومقابلة المخرجين العاملين على فيلم أول أو ثان، كان السينمائيون الأربعة الأوفر حظاً. أُتيحت لهم فرصة إنجاز فيلم قصير بالتعاون مع مخرج أجنبي، علماً أنّ الخيار وقع عليهم بناءً على مشروع الفيلم الطويل الذي يعملون عليه.


أعمال مسكونة
بالمدينة والعنف، والعمران
العشوائي واللجوء


في حديث مع «الأخبار»، أكّد أحمد غصين، صاحب فيلم «وايت نويز» أنّ الأهم في الموضوع هو أن الأفلام الأربعة لقيت أصداء إيجابية، وبدأ الإعداد لجولتها العالمية منذ عرضها الأول.
استُقبلت الأفلام الأربعة بحفاوة من قبل جمهور الكروازيت، خصوصاً أنها تناولت وقائع من لبنان الراهن بنظرة صائبة. كلّ بلغته السينمائية، فكك الواقع. تابع غصين بالقول: «يبدو واضحاً اليوم أن هناك موجة جديدة في السينما في لبنان لناحية طريقة العمل مع الشخصيات والتعاطي معها إلى طريقة التعامل مع الواقع الفوضوي وغير المفهوم». يصور فيلم غصين حارساً نتابعه في ليلة عمله تحت جسر فؤاد شهاب. لطالما اهتم المخرج بالأشخاص الذي يحرسون المباني الجديدة أو ما يعتبره اللاشيء، وبمفهومهم للوقت. هكذا، جاءت قصة ذلك الحارس الذي تحدث معه أمور غريبة جداً، تجعله يركض في المدينة المليئة بالمتاجر الفاخرة.
من جهتها، تخبر شيرين أبو شقرا، مخرجة فيلم «أوتيل النعيم»، أنها انطلقت من فكرة شخصين يلتقيان على البحر، ينتميان للجيل نفسه، يتحدثان عن أمور تربط بينهما، وأسقطتها على الواقع اللبناني. ورغم أنّ القصص جميعها تنتمي إلى الواقع اللبناني، إلا أنّها نتيجة رؤية مشتركة بين كل من المخرجين الأربعة اللبنانيين مع أحد الأجانب الأربعة. عندما تعذّر اللقاء في البلد نفسه من أجل العمل على النص والفكرة، كان التواصل عبر «السكايب» كما في حالة أحمد غصين. أما أبو شقرا، فكانت محظوظة بالتواجد في باريس في الوقت عينه مع مانويل ماريا بيروني. عن هذه اللقاءات وكيفية تطور فكرة الفيلم مع الشخص الآخر، علّقت بالقول: «في البدء، تبادلنا الحديث كثيراً حول الأفلام التي نحبها واهتماماتنا. لم يكن ضرورياً أن يشبه العمل الذي كنا ننجزه أي شيء فعلناه في السابق. بل كان بالأحرى أمراً قد رغبنا ربما في إنجازه ولكن ليس بمفردنا». بدوره، رأى غصين أن التجربة كانت أشبه بمخاطرة: «كنت خائفاً، واعتبرته تحدياً. لم أر لوسي قبل التصوير، وكنا نتواصل عبر «سكايب». كنت محظوظاً لأنها لم تكن قد صنعت أفلاماً أخرى، فجاء التعاطي معها سلساً. وكان كل منا يصغي جيداً الى الآخر. قسّمنا الأدوار لكي لا نتداخل، خصوصاً أن الموضوع الذي اخترناه فيه الكثير من التوتر والعنف، ولم نكن نملك المجال للضياع».
من ناحية أخرى، وبمعزل عن تحدي العمل مع مخرج صاحب رؤية مختلفة، كانت مسألة التناغم بين سينمائيين يأتي كل منهما من ثقافة مختلفة. في هذا الصدد، تؤكد أبو شقرا: «كان علينا شرح المفاهيم طوال الوقت. فلمجتمعنا خصوصيته. وكنا نحرص باستمرار على عدم الوقوع في كليشيهات. التركيز كان كذلك على جمالية الفن». من جهته، اعتبر غصين أنّ السينما لغة عالمية، ليس لها علاقة بالثقافات أكثر منها بالرؤية: «المفاهيم لا تختلف من مكان إلى آخر في العالم، ويمكن إسقاطها على المدينة التي نتعاطى معها. فاللغة السينمائية هي رؤية المخرج في أي مكان في العالم. في نظري، إن كان العمل ناجحاً فلأنه بعيد عن الكليشيه اللبناني. هناك لغة لا تريد أن تقع في الكليشيه وجيل يفكك الواقع على طريقته المختلفة عما سبق، لكن ليس بالضرورة بشكل أفضل».
حتى لو لم تكن فكرة «فاكتوري» تنطوي على إنجاز أفلام مترابطة، فقد جاءت النتيجة بهذا الاتجاه، وعن غير سابق تصوّر للمخرجين الأربعة. تعليقاً على ذلك، تؤكد أبو شقرا أنّ صاحبة فكرة الـ «فاكتوري» دومينيك فيلينسكي رأت أنه في مشروع «فاكتوري لبنان»، كان البلد هو ما طغى على المخرجين، وفرض نفسه. وأضاف غصين حول الفكرة نفسها: «في الأفلام الثلاثة الأولى، نرى نوعاً من العلاقة بين المدينة والعنف والوقت، ثم فيلماً عن وحشية المباني التي تدمرنا وستبقى الى الأبد. وبعدئذٍ ننتقل إلى موضوع اللاجئين عبر قصة لبناني يريد الحصول على الهوية السورية من أجل طلب اللجوء. فكل الأفلام تتبتع بعضها بشكل أو بآخر».