نجح وزير التربية السابق الياس بو صعب في زرع الشكوك في صحة المعلومات التي نشرتها «الأخبار» عن شطب «القضية الفلسطينية» من دروس التاريخ في المدارس الرسمية والخاصة، ليس لأنه قدم حججاً وبراهين تتناقض مع هذه المعلومات، بل لأن معظم الاعلام اللبناني بات يتبارى على تبوّء المرتبة الاولى في الانحطاط المهني.


أول من أمس انتشرت العناوين في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة ومواقع الكترونية تقول ان الوزير السابق الياس بو صعب كذّب «الأخبار». ولكن أي تقرير تلفزيوني أو صحافي تناول هذه القضية لم يفعل شيئاً سوى نقل ردود بو صعب وحده، بلا أي جهد مهني ولو بالحد الادنى لعرض هذه القضية المهمّة جداً. لم يكلّف أحد نفسه بمراجعة قرار الوزير بو صعب المنشور في الجريدة الرسمية وعلى موقع المركز التربوي للبحوث والإنماء، كما لم يكلّف أحد نفسه عناء سؤال أيّ من المعنيين في الهيئة التعليمية والوزارة والمركز... أو حتى «لوبي» المدارس الخاصة... بمعنى أن أحداً من الذين قرروا متابعة هذه القضية ومن الذين كلّفوا بمتابعتها لم يذهب الى أبعد من الحصول على تصريح من الوزير بو صعب ردّاً على «الأخبار»، في حين ان القضية نفسها لم يجر تناولها إطلاقاً ولم يجر أي تدقيق، ولو بسيط، في ملابساتها.
في متابعة ما عُرض على الشاشات، لم ينف بو صعب ما أوردته «الأخبار» عن شطب «القضية الفلسطينية من دروس كتاب التاريخ للصف التاسع». كل ما فعله أنه أعاد سرد القصة بطريقة أخرى، نافيا المسؤولية عنه شخصيا. قال بو صعب ان قراره الصادر في أيلول 2016 ليس قراراً جديداً. وهذا صحيح، إذ كان قد سبقه اليه وزير التربية السابق محمد يوسف بيضون، في عام 2000. هذه المعلومة مفيدة، ولكنها لا تغيّر في واقعة أن بو صعب اتخذ قراراً مماثلاً لقرار بيضون بعد 16 عاماً. ألم ينتبه أحد الى هذا التفصيل البسيط. قال بو صعب إنه «حاول» أن يُبقي دروس «القضية الفلسطينية» في قراره الجديد، ولكن هناك من منعه (يسميها «المدارس الخاصة») وهو رضخ ولم يواجه. ألا يستحق هذا التفصيل أيضاً بعض الانتباه؟
ما حاول أن يقوله بو صعب هو بسيط جداً وواضح ومفهوم: ان وزير التربية لا يستطيع وحده على هذا الحمل، وهو قرار سياسي كبير. ولكن وزير التربية الحالي، مروان حمادة، فعلها وقرر إعادة تدريس محاور القضية الفلسطينية اعتباراً من العام الدراسي المقبل. أليس هذا «التفصيل» عنصراً مهماً وفقاً للمعايير المهنية؟ فلماذا جرى إهماله أو التعامل معه عرضياً؟ لماذا لم يُسأل الوزير حمادة عن قراره الذي ألغى قرار سلفه؟
حسناً، كذّب بو صعب «الأخبار»، وحصل «الإعلام» على «خبر» واحتفى به. ماذا الآن؟ اختفى الخبر ولم تعد هناك مسألة تستحق المتابعة اسمها «شطب القضية الفلسطينية من مناهج التعليم»، بمعزل عمن اتخذ القرار ومتى اتخذه. يقبل الإعلام الآن أن لا يتعلم التلاميذ أن الشعب اللاجئ في لبنان كانت له أرض يعيش عليها، وتم اغتصابها منه، وإقامة كيان غاصب عليها يدعى «إسرائيل»، الذي شنّ حروباً واجتياحات متواصلة علينا وقتل منا وجرح وهجّر عشرات الآلاف ودمّر بيوتاً ومؤسسات وبنى تحتية بمليارات الدولارات.
يؤكد هذا الاعلام كل يوم، وعند كل محطّة، أنه مثل نظام التعليم، أداة «ايديولوجيا» للنظام القائم. ما اختلف في الفترة الأخيرة أن هذا الإعلام لم يعد يتمتع بأيّ كفاءة، حتى في تأدية مهمته.
(الأخبار)