هل تذكرون محطة تكرير المياه المبتذلة في زحلة الجاهزة للتشغيل منذ عامين والتي توقف 20 في المئة من الصرف الصحي الموجه نحو الليطاني؟

تلك المحطة لم تشغّل بعد، برغم أنها كان من أولويات الدولة ومجلس الإنماء والإعمار واللجنة الوزارية المكلفة متابعة تلوث الليطاني.

على نية تشغيلها، تم إقرار صرف مئات ملايين الدولارات من خزينة الدولة، فضلاً عن استقبال قروض دولية ميسرة وهبات، لا سيما من البنك الدولي، لتمويل خطة معالجة المياه المبتذلة التي تشكل الملوث الأول للنهر وبحيرة القرعون.
تشغيل محطة زحلة!

لماذ لم تشغّل محطة زحلة بعد؟

«يبحثون من أين سيؤمنون الكهرباء لتشغيلها»، يقول الناشط في الحملة الوطنية لحماية حوض الليطاني رئيس بلدية زوطر الغربية حسن عز الدين. كأن مجلس الإنماء والإعمار الذي شيّد المحطة بهبة إيطالية، لم يلحظ أن تشغيل المحطة يستلزم توفراً دائماً للتيار الكهربائي. وهو ما لا يتناسب مع التقنين القاسي الذي تعاني منه المنطقة. عز الدين نقل عن اللجنة الوزارية اتخاذها أخيراً قراراً بشراء مولدات لتأمين الكهرباء بشكل دائم. مجدّداً، يفرض الانتظار نفسه حتى يمرّ القرار بالإجراءات الإدارية. وفي حال تم الشراء، من يضمن بألّا تتوقف المولدات عن العمل بسبب نفاذ الوقود؟ علماً بأن مشكلة المحطات المنجزة مع التيار الكهربائي تتكرر في محطات أخرى كالفرزل وأبلح وعيتنيت.

خطة الحماية

ماذا عن مكونات خطة الحماية الأخرى؟ تنص الخطة على تشييد محطات مماثلة على طول مجرى النهر (كل محطة تجمع عدداً من البلدات). على أرض الواقع، لم يبدأ العمل في أيّ منها. عز الدين صوّب المسؤولية على «الإنماء والإعمار» الذي «لا يزال يضع الدراسات لتنفيذها». علماً بأن مبلغ 200 مليون دولار وضعت بتصرف المجلس لتنفيذ الأولويات. يخشى عز الدين أن «تطير الملايين على الدراسات».
لكن الصرف الصحي ليس الملوث الأوحد لليطاني.
في مثل هذا الوقت من العام، اعتاد الأهالي في محطي النهر على مياه صافية. بحسب عز الدين، فإن مياهه تتعكر كل ثلاثة أو أربعة أيام بالوحول والأتربة. جولة على المجرى كشفت أن المتعهدين الملتزمين تنفيذ مشاريع بين حاصبيا والبقاع الغربي يرمون الردم والأتربة في المجرى، خصوصاً فوق جسر الدلافة (قضاء حاصبيا). أما المرامل، يؤكد عز الدين بأنها توقفت عن العمل في مرجعيون والنبطية وجزين.
ماذا عن التلوث الكيميائي الذي تسببه المصانع المجاورة للنهر لا سيما في منطقة زحلة؟
عند إقرار الخطة، سارعت القوى الأمنية إلى الكشف على الاستراحات الواقعة على طول المجرى في الجزء الجنوبي من النهر. وسطرت محاضر ضبط بحقهم وأحالتهم أمام القضاء. برغم أن المعنيين في الخطة أقروا بأن التلوث الذي تسببه الاستراحات في الجزء الجنوبي لا يشكل أكثر من 2 في المئة من مجمل مصادر التلوث. أقر المعنيون بأن نفايات المصانع تشكل سبباً رئيسياً، مع ذلك وبحسب عز الدين، فإن أصحابها لم يتلقوا تحذيرات لمعالجة الصرف الصحي الصادر عن مؤسساتهم.

دستور لعمل استراحات النهر

تحت عنوان «الليطاني نهر الناس وأحد مفاتيح تنميته»، أطلقت جمعية «الجنوبيون الخضر» دفتر شروط لعمل المنشآت السياحية على نهر الليطاني. الدفتر يشكل دستوراً لأصحاب الاستراحات والبلديات على السواء للالتزام باستفادة سياحية من دون تلويث النهر ومحيطه. علماً بأن القانون ٤٤٤ /٢٠٠٢ مخصص لتنظيم المنشآت السياحية المنتشرة على النهر. ولأن القانون لا يطبّق ما يعرض النهر ورواده والسلامة العامة للمخاطر، وضعت الجمعية جملة شروط بيئية يفترض على المنشآت اتباعها في البناء.


المتعهدون الملتزمون تنفيذ مشاريع بين حاصبيا والبقاع الغربي يرمون الردم والأتربة في المجرى

منها اعتماد مبادئ الفرز من المصدر والتواصل مع الشركات التي تتسلم المواد المفروزة في الجنوب والامتناع عن رمي أيّ نوع من النفايات في مجرى النهر أو عند ضفافه، ووضع مستوعبات محدّدة للقمامة على مدخل كل ممر، واعتماد خزان صرف صحي للمراحيض من البلاستيك لمنع تسرب المياه. ولضبط تمدّد الإنشاءات الإسمنتية، ينصّ الدفتر على منع وضع أي إضافات على ضفتي النهر أو معوقات والحفاظ على منطقة خالية من الإنشاءات تبتعد 4 امتار عن مستوى الفيضان الأعلى للنهر، وإنشاء ممرات خشبية تمتد من المنشأة إلى النهر (الممرات تصنع من الخشب أو القصب ولا تعيق انتقال الحيوانات من تحتها وتزال بعد انتهاء الموسم السياحي) والحفاظ على مسافة بين الممر والممر الآخر. ومن الشروط، الامتناع عن تربية الحيوانات والمواشي في محيط المنشأة لأنها تشكل عنصراً غريباً على المحيط الايكولوجي وتحمل بكتيريا معدية للمحيط، وعدم إلقاء أي نوع من الأسماك في النهر بقصد تربيته أو الإكثار منه إلا بعد دراسة علمية تلحظ أصناف الاسماك المحلية وما إذا كانت هناك حاجة إلى ذلك، والامتناع عن زراعة أي نوع من الأشجار غير المحلية في محيط النهر. ولضمان تطبيق الشروط، تلقي الجمعية بالمسؤولية الرئيسية على البلديات التي دعتها إلى تحديد مستوى الفيضان واعتماد نموذج طلب رخصة لموسم واحد على أن تكون المنشأة مؤلفة من طبقة أرضية فقط وتقوم بدراسة الأثر البيئي للمنشآت على النهر ومحيطه وتكلف مأموراً لمراقبة عمل المنشآت وإزالة المخالفة المرتكبة.




شريان الموت

لم يعد الليطاني شرياناً يضخ الحياة في البلدات التي يمر فيها. يقطع النهر من منبعه في بعلبك إلى مصبه في القاسمية (صور) في 263 بلدة تتوزع على 12 قضاء و4 محافظات. بحسب دراسة لجمعية «الجنوبيون الخضر»، فإن نحو 376 ألف نسمة يسكنون في تلك البلدات، من المتوقع أن يصل عددهم في عام 2020 إلى 470 ألفاً. الحلول المتأخرة لحماية الليطاني وتنظيفه فتحت المجال أمام استفحال مرض السرطان في البلدات المحيطة به. قبل مدة، اعتصم أهالي حوش الرافقة (قضاء بعلبك) احتجاجاً على وفاة 40 شخصاً من أبناء البلدة بمرض السرطان، فيما هناك 35 شخصاً يتلقون العلاج الكيميائي. بر الياس انتفضت ضد إصابة 600 من أبنائها بالمرض، وقامت بردم المجرى الذي يمرّ في نطاقها.