خير أن يكون هناك ائتلاف للدفاع عن الشاطئ بشكل عام، من أن يكون هناك مجموعات صغيرة للدفاع عن أجزاء. وخير أن يتم جمع قضايا التراث وحمايته مع البيئة ومنع تلوثها مع فكرة الحق بالوصول إلى الشاطئ مع محاربة الخصخصة والدفاع عن الأملاك العامة، مع حقوق الصيادين... من أن يكون لكلّ قضية ناسها وأن يتم الفصل غير الطبيعي بين القضايا نفسها.


ولكن ماذا تقول القضايا الأخرى؟ وماذا تقول التجارب السابقة المماثلة؟
فـ»ائتلاف الشاطئ اللبناني» الذي أُطلق أمس، للدفاع عن الشاطئ والأملاك البحرية العامة ليس جديداً. ليست المرة الأولى التي يتم فيها إطلاق حملات للدفاع عن الشاطئ. عام 1996، أي منذ أكثر من عشرين سنة، تم تأسيس «اللقاء الوطني لحماية الشاطئ»، وهو أيضاً تم تأسيسه من بعض الجمعيات والناشطين (22 جمعية) والذي نظّم ندوة أنتجت دراسات متخصصة عن الشاطئ من مختلف جوانب القضية ونشرت في كتاب تحت عنوان «الشاطئ اللبناني: ما هو مصيره؟». وقد كان على الناشطين اليوم في الائتلاف أن يسألوا ما كان مصير هذا «اللقاء الوطني»، ليتعلموا من التجارب الماضية.
لم يكن هذا «اللقاء» فريداً. الكثير من المحاولات للجمع بين منظمات وجمعيات قد حصلت حول قضايا محددة في ظروف مختلفة. إلا أن مصيرها في المجمل وفي الحصيلة، لم يكن على قدر الطموحات والآمال، لا بل إن التعديات زادت والانتهاكات كبرت والتلوث تضاعف… بقدر زيادة الجمعيات! وحدها المساحات العامة (بمعنييها المادي والتواصلي) تقلصت، ولا نزال في حالة تراجع دراماتيكية على كل المستويات. أما كانت هذه التجارب السابقة تستحق مراجعة أعمق وأشمل، قبل أن تتم بلورة شيء جديد؟ أما كان يُفترض البحث عن أسئلة (وليس أجوبة) ولا سيما تلك المسكوت عنها؟
ما الذي يجعل «الشأن الخاص» رابحاً دائماً في حين يخسر «الشأن العام»؟
كان الحماس كبيراً عام 1996، وكان قد ساهم كثر، في أكثر من منطقة أيضاً، في نضالات كبيرة ضد شفط الرمول هنا (لا سيما في صور آنذاك) وردم الشاطئ هناك (مشروع مارينا ضبيه و»لينور» على ساحل المتن) ومشاريع أخرى في صيدا وأنفه وغيرها. وكل المشاريع المعتدية نجحت إلا تلك التي أفشلتها السوق نفسها وعدم وجود ما يسمى «الجدوى الاقتصادية» لها، وليس النضالات التي تحولت إلى «احتجاجات جمعياتية».
ولعل مراجعة بسيطة لتجربة عام 1996 نفسها، تؤكد أن تصميم أصحاب المصالح الخاصة أقوى من تصميم أصحاب القضايا العامة. وإن مبادئ الاهتمام بالشأن العام لم تُحترم، كما تُحترم مبادئ السوق والمنافسة وتشغيل ومراكمة الراسمال.
كما يُفترض أن تعرف جماعة «الائتلاف» الآن، أن انفراط عقد لقاء عام 1996 بدأ بسبب كيفية نشر كتاب - الدراسات لندوة الشاطئ، إذ تحكمت الجمعية التي حصلت على التمويل بإخراجه وكتابة مقدمته، دون التشاور مع الجمعيات الأخرى المشاركة في اللقاء! مما فسر استغلالاً وتفرداً ومقدمة لعقد تسويات معينة وبيع القضايا، أو عدم التخلي عن الأنانيات الفردية والجمعياتية.
والخلاصة التي خرج بها معظم الناشطين آنذاك، أن «من يموّل يتحكم»، وقد تمّ إهمال كلّ الدعوات التي تقول إن الأساس في المواجهة هو في إيجاد فكر بديل أشمل وأعمق، يربط بين القضايا (على تعددية أنواعها) ويضع الأطر الفكرية الجامعة والأطر التنظيمية الواضحة والشفافة. وهو في إيجاد من يساهم في إنتاج هذه الخلفية والمبادئ أو في تبنيها بعد مناقشات جدية ومسؤولة وصادقة. وإن معايير الاختيار هي في مدى وقدرة المتقدمين على العمل وتقديم وتعميق الأفكار، وليس القدرة على كتابة مشاريع قابلة للتمويل.
ولعلّ فكرة «من يموّل يتحكم» هي التي طغت على المرحلة اللاحقة، وجعلت القضايا مرتبطة بمدى القدرة على تمويلها، أو على الأصح، جعلت «القضايا» تتحدّد على أساس تلك التي تضعها الجهات الممولة على أجنداتها، فتنتهي القضايا مع انتهاء مدة المشاريع المموّلة.
فكيف يمكن الاستفادة من التجارب السابقة ونتائجها لكي لا يصبح «الائتلاف»، الذي يضم بعض الوجوه المتحمسة والواعدة، مقدمة لإطار أكبر وأوسع، يهتم بقضايا تتعلق بالتعديات على الأملاك النهرية أيضاً، وعلى القمم وعلى النظم الايكولوجية كافة التي ترتبط ببعضها بشكل كبير، وإنتاج نماذج من اللقاءات والائتلافات تحاكي النظم الايكولوجية ومتطلباتها، بدل أن تحاكي النظم الممولة وأجنداتها... فينقل القضايا الأساسية والبلاد إلى شاطئ الأمان؟

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]