رغم أن ديواني الأول «مقعد ثابت فى الريح» تأخر خمسة عشر عاماً، إلا أنني أقول بارتياح إنّني محظوظ في مسألة النشر عموماً، حتى في ذلك الديوان الأول، الذي نُشر في غفلة مني بالفعل. ولهذا لا بد من سرد حفنة حكايات تتعلق بتاريخ قصائد الديوان، تلك القصائد التي نُشرت في النصف الثاني من عقد السبعينيات.


كنت قد بدأت أنشر قصائدي الأولى في الصحف والمجلات منذ عام 1975، وأنا في العشرين من عمري. وحظيت بأن أنشر في صحيفة «المساء» القاهرية، التي كان يشرف على صفحتها الثقافية الأستاذ عبد الفتاح الجمل. وكانت تلك الصفحة جواز مرور لأيّ كاتب أو مبدع في الحياة الأدبية المصرية، بالإضافة إلى بضع صحف ومجلات أخرى مثل جريدة «صوت الجامعة» التي كانت تصدر في كلية الإعلام. وكان الطالب يوسف أبو رية يشرف على صفحتها الثقافية مع الطالب مرعي مدكور، وكان أبو رية يمدّ الجريدة بدماء شابة في مجالات الأدب. بالإضافة إلى نشره لقصائد لجيل الشباب الطالع مثل أمجد ريان، وحلمي سالم وغيرهما، أجرى حوارات صحافية معنا في الجريدة، مما كان يشعرنا بالفعل بأن حركتنا الشعرية والأدبية ذات تأثير في الحياة الثقافية.
وفي عام 1976، كنت قد التقيت بالشعراء حلمي سالم، وأمجد ريان، ورفعت سلام وآخرين في مجلة «الكاتب»، التي كان يرأس تحريرها الشاعر صلاح عبد الصبور. وكنّا نجتمع حول ذلك الأب العظيم، وكان يمنحنا قدراً كبيراً من العطف والتعاطف مع كافة أشكال النزق والخروج التي بدأت تغزو مساحات واسعة من الحركة الشعرية الشابة. وفي مقر المجلة الذي كان يقع في 1117 شارع كورنيش النيل، في غرفة ضيقة، كانت تدور حوارات ساخنة بيننا وبين كتّاب وشعراء لهم حضور عميق وواسع، منهم نجيب سرور، وعلي شلش، وأمل دنقل، ومحمد مهران السيد وغيرهم، وغالباً ما كنا نخرج مثخنين بكرابيج نجيب سرور الحادة.


كنت أرى كما أمل دنقل بأن استغراق الشعراء الشباب في تجارب شكلية على مستوى البناء، يفسد كثيراً من جماليات الشعر

وكان يوسف أبو رية قد أجرى حواراً مع أمل دنقل في مجلة «الكراسة الثقافية»، واتهم فيه أمل الشعراء الشباب بأنهم «أدونيسيون». وأوضح بأنه لا يعترض على أن يتأثر أحد أو جماعة من الشعراء بتجربة أدونيس، لكنه يحتج على ذلك التعلق الزائف بتجربة أدونيس، وأوضح بأنه يحترم تجربة أدونيس، لكنه لا يحترم تلك التجارب التي تنقل أو تقلّد تجربته في الشعر أو في النقد. في العدد التالي مباشرة، كتب الشاعر حلمي سالم مقالاً حاداً يرد فيه على أمل دنقل، وكان عنوان المقال «أدونيسيون ودنقليون»، وهاجم فيه أمل دنقل.
في أواخر عام 1976، نشأت فكرة أن يصدر الشعراء الشباب مجلة شعرية، وبالفعل كان هؤلاء الشعراء حلمي سالم، وماجد يوسف، ورفعت سلام، وحسن طلب، وجمال القصاص وغيرهم، يجتمعون بشكل شبه منتظم في «مقهى باراداي» في الدقى، أو في منزل الشاعر حسن طلب في بولاق الدكرور. وكنت ضمن هؤلاء الشعراء، وصدر بالفعل العدد الأول من مجلة «إضاءة 77» في تموز (يوليو) عام 1977، وأحدث صدور المجلة قدراً من ردود الفعل المختلفة سلباً وإيجاباً.
لا بد من أن أوضح بأنني مختلف بشكل أو بآخر مع توجهات أصدقائي الشعراء. كنت أرى كما يرى دنقل بأن استغراق شعراء الشباب في تجارب شكلية على مستوى البناء، يفسد كثيراً من جماليات الشعر، وكنت ميّالاً لأمل دنقل، وقامت بيني وبينه مودة وألفة، على عكس أصدقائي الشعراء، ربما يكون الشاعر والناقد محمد بدوي هو الوحيد الذي اخترق أسوار أمل دنقل الشائكة، واكتسب مودته وحبه.
ولم تكن علاقتي بأمل دنقل شخصية فقط، بل كنت مؤمناً إلى حدّ بعيد بتوجهه الشعري. وهذا الأمر أحدث بيني وبين رفاقي قدراً من التوجس. وانعكس هذا على علاقاتنا وحركتنا الثقافية. ففي العدد الثالث، نشب خلاف بين الشاعر رفعت سلام «أحد أعضاء هيئة تحرير إضاءة 77»، وبين حلمي سالم الذي كان ـ بالفعل ــ الموجّه الأول لحركة المجلة. بعدها، خرج رفعت سلام من المجلة، وأنشأنا رفعت سلام ومحمود نسيم وأنا مجلة «كتابات». وصدر العدد الأول منها في منتصف عام 1979. وبالطبع كنت قد نشرت بعضاً من قصائدي في مجلتي «إضاءة 77»، و«كتابات»، بالإضافة إلى مجلات أخرى في العراق واليمن وليبيا.
لا بد من أن أفصح بأنني في ذلك الوقت كنت عضواً في حزب العمال الشيوعي المصري، وكنت منشغلاً بشكل واسع بالعمل السياسي. كان الشعر متأثراً بشكل ما بحركتي السياسية، حيث كنت أقرأه في محافل ثقافية وسياسية، وذلك فرض نوعاً من التوجه في الإبداع وسياسة الشعر ذاته. وكان هذا التوجه غير مرحب به على الإطلاق على مستوى النخبة التي كانت تفرض وجودها يوماً بعد يوم.
وظل الأمر هكذا، حتى حدثت موقعة المنصة واغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981، وبعدها جاء حسني مبارك، وراح يعقد صفقات مع اليسار المصري. وفي أثناء ذلك، انهارت غالبية الأحزاب السرية، مما أفقدني قدراً من الثبات، وأصبت بإحباط شديد، ولجأت إلى عزلة. ظللت معتصماً بها حتى عام 1991، وعدت بانتظام إلى «ورشة الزيتون»، وأعطيت قصائدي إلى الروائي فتحي امبابي الذي قام بكتابتها على الكمبيوتر، وكان حديثاً جداً في ذلك الوقت. طبعها لي، واختار عنوان «مقعد ثابت في الريح»، وهو عنوان قصيدة لي. بعدها أخذت مني القصائد صديقتي الكاتبة سلوى بكر. كان ذلك في أواخر عام 1992. بعدها اتصلت بي سلوى، وأخبرتني بأن «دار سينا»، وراوية عبد العظيم صاحبة الدار قررا طبع ونشر الديوان. اندهشت كثيراً من ذلك، حيث شعرت بأن مؤامرة إيجابية وجميلة قد حيكت ضدي بمهارة شديدة. وعندما حاولت التملص من تلك المؤامرة، أبلغتني سلوى بأن الديوان بالفعل قد أخذ رقم إيداع، وأن الفنان عماد حليم (منير الشعراوي) قد أعدّ الغلاف، وأن الديوان لا يحتاج سوى مراجعتي، وأن أعطي أمراً بالنشر. هكذا وجدت نفسي غير قادر على الممانعة، وصدر الديوان بالفعل، وكان موجوداً في «معرض القاهرة الدولي للكتاب» عام 1993. وبالطبع كانت القصائد تعبّر عن مرحلة سابقة، لكنه نال ترحيباً من الأصدقاء والنقاد لم يكن متوقعاً مني، وظللت أغبط نفسي عليه طويلاً.