كان اكتشاف المضادات الحيويّة من القفزات الطبيّة النوعيّة في التاريخ، إذ أنقذ حياة الملايين من البشر الذين كانوا يموتون سابقاً نتيجة التهابات بسيطة لا تستطيع أجسادهم مقاومتها. لكنّ هذه الجراثيم استطاعت أن تتطوّر وتتأقلم مع مرور الزمن نتيجة الاستعمال المكثّف للمضادات الحيوية واستسهال بعض الأطبّاء وصفها على نطاق واسع من دون الحاجة الماسّة إليها أحياناً.


وبنتيجة الانتقاء الطبيعي، استطاعت البكتيريا أن تعيد تكوين نفسها بتركيبات جديدة كل فترة، ما صار يشكّل تحديّاً حقيقياً أمام الأطبّاء، وفرض عليهم تطوير مضادات حيوية جديدة دوريّاً، إلّا أنها لا تلبث أن تصبح عقيمة بعد تكرار الاستعمال.
وخلال الأعوام الأخيرة، لجأ الأطبّاء إلى مضاد حيوي قوي وفعّال، هو «فانكومايسين» vancomycin، وعُدَّ بمثابة الإجراء العلاجي الأخير بسبب قوّته وقدرته على علاج التهابات خطرة تفشل أمامها كل أنواع المضادات الحيويّة الأخرى. إلّا أنّ استعماله أيضاً استمر بنحو حذر ومحدود، خوفاً من تمكّن الجراثيم الدائمة التطوّر من تخطّيه وتعطيل آليّاته، وفشل أخيراً أمام جراثيم جديدة.
إلّا أن الباحثين تمكنوا أخيراً من إعادة هندسة هذا الدواء بنحو جديد، ما يعطيه القدرة على معالجة البكتيريا بطرق جديدة، ويصعّب عليها تطوير آليّات مقاومة ضدّه. وهذا ما يُعَدّ خرقاً مهماً وضرورياً لضمان فعالية العقاقير واستدامتها ضد هذه الالتهابات المقاومة دوماً لكل الأدوية السابقة.


آليّات طبيعيّة
تنتصر في النهاية
على الأدوية التي يطوّرها الإنسان


وبحسب الدراسات النظريّة المتوافرة حتى اليوم، تشير المعطيات إلى أن هذا الدواء الفائق الفعاليّة أقوى بنحو 1000 مرّة عن النسخة القديمة من الفانكومايسين، إلّا أن لا تجارب تطبيقيّة أجريت حتى الآن على الإنسان أو الحيوان.
إنّ تطوير جيل جديد من الأدوية القادرة على مكافحة الجراثيم ذات المقاومة الفائقة هو حاجة ماسّة، حيث إنها صارت تشكّل اليوم تهديداً متزايداً للصحّة العالمية بحسب تقارير حديثة لمنظمة الصحّة العالميّة. وهذه المقاومة التي تبديها أنواع عديدة من البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليّات تحصل نتيجة تعرّضها الطويل للأدوية التي لا تلبث أن تصبح غير كفوءة في هذه المعركة. إنّها آليّات طبيعيّة تنتصر في النهاية على الأدوية التي يطوّرها الإنسان إن أساء استخدامها، ولم يحسن تطويرها ايضاً. وبحال الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية تفقد فعاليتها حتماً، ما يسمح لالتهابات صغيرة أن تسبّب مضاعفات صحيّة خطيرة. كذلك يمكن أن تشكّل عائقاً جديّاً أمام إجراء عمليات جراحيّة، وأمام كفاءة العلاجات التي تطاول الأمراض المستعصيّة أصلاً مثل السرطان.

كيف يعمل الدواء الجديد؟

استعمل الفانكومايسين منذ ما يزيد على ستة عقود، إلّا أنّه حافظ على قوّته في مكافحة البكتيريا التي لم تستطع تطوير آليّات المقاومة ضده إلّا بجزء صغير منها، خاصة في الفترة الأخيرة. الوقت الطويل الذي تمكّن فيه هذا المضاد الحيوي من مقارعة الجراثيم وعدم قدرتها على تطوير نفسها سريعاً، يشير حتماً إلى ميزة خاصة في طريقة عمله، هي عرقلة البكتيريا عن عملية بناء جدران الخلايا الخاصة بها. أخيراً أفادت دراسات كيميائيّة بأنّ هناك إمكانية لتعديل هذا الدواء، ما يعطيه قوة هائلة في مكافحته للالتهابات، ويقلّل من الكميّات التي نحتاجها منه، ويزيد من قدرته على كبح آليات المقاومة. كشفت الدراسة المنشورة في «إصدارات الأكاديمية الوطنية للعلوم» أن التعديلات التي أجريت على الفانكومايسين تسمح له بتدمير جدران الخلايا الجرثوميّة بطريقة جديدة عبر التدخّل المباشر في تكوينها ومنع مكونات كيميائيّة معيّنة من التفاعل مع المواد الأخرى في جدران الخلايا، ما يقتل هذه الخلايا بنحو سريع وفعّال أكثر بألف مرّة من الأدوية المعروفة اليوم. وبفضل هذه الآليات الجديدة التي يمتلكها هذا الدواء المعدّل، إلى جانب الآليات الأخرى التي يعتمدها الفانكومايسين والمضادات الحيوية التقليدية، يشكل الدواء الجديد عقاراً يعمل بآليّات متنوّعة للقضاء على الجراثيم، ما يجعله قادراً على القضاء عليها قضاءً حاسماً. وهي إن حاولت تطوير آليات دفاعيّة ضد إحدى آليات عمله، فلن تستطيع في الوقت نفسه أن تواجه الآليات الأخرى، ما يضمن فناءها. وهذا ما يجعل أيضاً من هذا الدواء أكثر استدامة زمنياً، حيث لن تتمكّن البكتيريا سريعاً من التأقلم ضد كلّ آليّات عمله.
جرى اختبار هذا الدواء في المختبرات على بكتيريا معروفة بقدرتها على مقاومة المضادات الحيوية، ومنها الفانكومايسين، وهي بكتيريا Enterococci، وتمكّن بوضوح من القضاء على البكتيريا المذكورة بنوعيها الأصلي والمطوّر لمقاومة الفانكومايسين، وهي التي تعدّها منظمة الصحة العالميّة خطراً على الصحة البشريّة عمةً. أما اختبارها على الحيوان ثم الإنسان، فسيبدأ قريباً لثبيت هذه النتائج الإيجابيّة واختبار كافة عوارضه الجانبية قبل دخوله حيّز الإنتاج الواسع خلال الأعوام القادمة.

وفيات كثيرة نتيجة الالتهابات

تجدر الإشارة إلى أن عدد الوفيات الناتجة من الإصابة بالتهابات حادّة عصيّة على المضادات الحيوية المعروفة هو في نمو مطّرد، إذ تبلغ الأعداد مئات الآلاف من الوفيات حول العالم سنوياً، وهو ما جعل المنظمات الدوليّة تدقّ ناقوس الخطر. فالمستقبل سيحمل المزيد من هذه الجراثيم المقاومة، وقد نصل إلى اليوم الذي لا يستطيع فيه المرضى إجراء عملية جراحية بسيطة أو التعافي من التهاب رئوي عاديّ لأنّ البكتيريا تطورّت بنحو أسرع من أدويتها. لعلّ هذا الاكتشاف يشكّل قفزةً نوعيّةً في العلاجات، دون أن يعني ذلك الاستمرار بالإسراف واستسهال استعمال المضادات الحيوية على الإنسان كما على قطعان الماشية التي يتغذى منها كالأبقار والخنازير والأغنام التي تتطور فيها أيضاً بكتيريا مشابهة تنتقل إلى الإنسان.