عزيزي علي الوردي... لو تدري ماذا حلّ بـ «الشخصية العراقية»! | لن تتكرّرَ ظاهرةُ علي الوردي. ليس بسببِ ندرةِ العباقرةِ والمفكرين في العراق، بل لأن ثقافتَنا لا تعرفُ خلقَ الاستمرارية. فجدلُ السابقِ واللاحقِ عندنا جدلٌ عنيفٌ، ونظامُنا المعرفيّ، ناهيك عن السياسيّ، نظام قلّما يُراكمُ المعرفةَ عبر الأجيال، والحقول المعرفية والمناهجُ المتبناة في هذه الحقول تظهرُ في الفضاء الفكري ويشتدُّ تأثيرُها ثمّ تختفي ويظهرُ اتجاهٌ آخرُ يستأثرُ باللمعةِ والتأثيرِ، وهكذا دواليك.


فهل تعرفُ الثقافةُ العراقيةُ استمراريةَ الأجيالِ؟ وهل التواصلُ بين الأجيال يأتي بخططٍ مؤسسيةٍ تضمنُ تواصلَ تطورِ الحقولِ العلمية والإنسانية؟ لا يبدو الجوابُ مشجّعاً، فالعراقُ لم ينتجْ عقولاً تواصلُ تطويرَ حقولها. ولأسباب كثيرة، تتقطعُ سبلُ التواصل بين علماء العراق وأساتذته، مرة بالهجرة وأخرى بالنفي وثالثة بالقتل. في هذا السياق، يمكن التساؤل بجدٍّ عن إمكانِ وجود نظيرٍ، أو حتى بديل، لعلي الوردي في حياتنا المعاصرة، ويمكن القولُ أيضاً إن الإجابةَ غيرُ مشجّعة.
لقد ألقت الظروف السياسية التي مرّ بها العراقُ بظلّها الثقيل على تهيئة متطلبات استمرارية إنتاج المعرفة عبر خلق أجيال جديدة تتسلّمُ من أجيال سابقة. فكان هناك «انقطاع النَّسْل» إذا جاز التعبير، لا سيما في مجال علم الاجتماع. فقد يستطيع المرءُ أن يسمّيَ جملةً من الباحثين المتخصصين في عالم الاجتماع، يقفُ على رأسهم الدكتور فالح عبد الجبار، الذي أسمعُ أحياناً هَجْساً بخلافته لعلي الوردي، غير أن الأمرَ أعقدُ ممّا يبدو لنا، إذ لن يستطيعَ المرءُ أن يشخّصَ هذه الاستمرارية في الانحدار الذي يلمُّ بعالمِ الدراسات إجمالاً.


كان صوته ضائعاً في لغط القوميات والأحزاب والأيديولوجيات العقائدية


على أيّ حال، لا أريدُ القولَ إن علي الوردي كان عقيماً، بل أودُّ أن أقتربَ من الظروف التي حفّت به، وقطعتْ صلتَهُ بإمكانات علمية كان يمكنُ أن ينتجها في كثير من تلامذته الفعليين والمفترضين.
كان صوتُ علي الوردي ضائعاً في خضمِّ لغطِ القوميات والأحزاب السياسية والأيديولوجيات العقائدية. وسط هذا اللغط يضيعُ صوتُ العقل، صوتُ العلم الذي يقولُ لك إن المشكلة مكمنُها هنا، في حين أنت مشغولٌ بما يعمّقُ الإخفاقَ والعنفَ والدمارَ. ووسط هذا اللغط العنيف، انقطعت صلةُ علي الوردي بالمجال الخاص والمجال العام، بالمجتمع والجامعة، واضمحلَّ تأثيره فيما يُفترضُ أنه المجالُ الخصبُ الذي يولّد عادةً نسلاً جديداً يتابعُ فيه الأبناءُ ما بناه الآباءُ. لقد نجحَ مناوئو علي الوردي في ردّ صوتِهِ سنواتٍ مديدةً، حين كتموا أنفاسَه وهو حيٌّ، وقيّدوا جسدَه في أضيق مكان، وأبعدوه عن الوسط الجامعي الحيوي، وحجروا على جسده قبل أفكاره، وأفكاره قبل جسده، لقد خلقوا مصدّاتٍ، وأقاموا حواجزَ تمنع هذا التدفّق العجيب لأفكاره ولغته وأسلوبه وسرده الأخّاذ ونغمته وتشويقه.
إن الافتراءاتِ والأكاذيبَ التي لحقت بأفكار علي الوردي، واتهام بصائره بالنزعة التخريبية، بل وسم نواياه بالهدم والتخذيل لمجرد أنه يعرّي ذواتنا، ويكشف عيوبها، ارتدّت علينا نحن وعلى ثقافتنا، فكانت ثقافتنا «بتراء» ونسلنا «أبتر». ولو قُيّض لعلي الوردي أن يحيا في مجتمع وجامعة تطيقان نقدَه الجذريّ، لتخرج في هذا المجتمع، ومن بين يديه، من يحملُ عقلاً وبصائرَ جديدة، ولضمنت ثقافتنا تواصل النَّسْل، ولكان هناك جيلٌ يرقب تحولات مجتمعنا بعينين تحملان حدّة بصر علي الوردي، وسَعَة بصيرته، لكنه أيضاً يفحص ظاهرة علي الوردي وينقدها، ويتناول أسسَها بالتقويض، لأنه ليس من اللازم أن يأخذنا علي الوردي أبداً إلى ما استطاعَ رؤيته فقط، ويبقينا في حدودها، بل أن يجعلنا ننظر إلى ما استطاع رؤيته بتمكيننا من النظر إلى ما لم يستطع رؤيته، وتلك معضلة لم يتمكّن حضوره من إنجازها، فظلّ وحده يسرحُ في وحشة المجتمع الإشكالية، مؤبّداً طبائعَه، ومؤبّداً مع الطبائع، زوايا النظر إليه مفكّراً وإليها طبائعَ لا تنفكّ عنّا.
* ناقد وأكاديمي عراقي