إلى ما قبل حرب عام 1967، كان استمرار وجود إسرائيل لدى جميع الأطراف الدولية والإقليمية، بمن فيهم الإسرائيليون أنفسهم، موضع شك وتساؤل. ونتيجة ذلك، كان هاجس الوجود يسيطر على صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، وانعكس ذلك في المبادئ العسكرية التي تبلورت في أعقاب إعلان الدولة حول الحروب الاستباقية والوقائية، والضربات الخاطفة، ونقل المعركة إلى أراضي العدو.


وكان مفهوم «الجدار الحديدي» الذي سبق أن أطلقه مؤسس الحركة التصحيحية في الحركة الصهيونية، فلاديمير جابوتنسكي، في عام 1923، يسيطر على صناع القرار. وبموجبه، كان القادة الصهاينة يرون أن العرب والفلسطينيين لن يسلموا بوجود إسرائيل وينسجوا معها علاقات طبيعية إلا بعدما يصابون باليأس من إمكانية القضاء عليها. ومن هنا، كان مؤسس الدولة ديفيد بن غوريون يشدّد على أنه من أجل تسليم الدول العربية بوجود إسرائيل... لا بد من إلحاق الهزائم بهم، إلى أن يشعروا باليأس من إمكانية الانتصار عليها، خاصة أنه كان مدركاً لحقيقة أنّ بإمكان العرب تلقي سلسلة هزائم، ومن ثم النهوض في أعقابها نتيجة تفوقهم الكمي على إسرائيل، على مستوى الجغرافيا والديموغرافيا والإمكانات، فيما ظروف إسرائيل لا تسمح بذلك.
ثم أتت حرب عام 1967، التي أدّت إلى إبعاد شبح الخطر الوجودي عن الوجدان الإسرائيلي العام. وقدمت إسرائيل أمام الدول العظمى عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، كمشروع ناجع يمكن الاستناد إليه في إدارة الصراعات في المنطقة. وهكذا تعزَّزت صورة إسرائيل قوةً إقليمية رئيسية في خريطة المحاور في المنطقة. وكشرطي يمكن الركون إليه في خدمة المصالح والأطماع الأميركية...
على هذه الخلفية، يصح القول إنّ المحطة المفصلية التي أسهمت في تثبيت دولة إسرائيل، بنظر الإسرائيليين والعرب، كانت حرب حزيران 67. ومن زاوية أخرى، شكّلت هذه الحرب استكمالاً لحرب تأسيس الدولة عام 1948، انطلاقاً من أنّه ما لم تسمح به الظروف السياسية ومجريات الصراع... في حينه، عادت إسرائيل وحققته بعد مضي 19 عاماً.
لم تقتصر مفاعيل حرب الأيام الستة، وما تلاها، على احتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، بل أسست لتحول في الوعي العربي ظهر بنحو تدرجي لاحقاً ــ بالتناسب مع التطورات السياسية والأمنية ــ على شاكلة مشاريع تسوية ترتكز على شرعنة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
ومن أبرز الشخصيات التي لخّصت مفاعيل هذه الحرب، بنيامين نتنياهو، عندما أوضح خلال كلمة له في مركز هيروشالمي (5/6/2007) أن «مكنت حرب الستة أيام من استمرار وجود دولة إسرائيل، وتحقيق اتفاقيات السلام التي وقَّعناها». ورأى في حينه أن تلك الحرب أدت إلى انتقال إسرائيل «من دولة كان أصل وجودها موضع تساؤل، إلى دولة من غير الممكن التغلب عليها». وربط ذلك، بالمفاعيل الجغرافية لتلك الحرب، وأسهمت في تعزيز قوة إسرائيل في الدفاع والهجوم بالقول: «تحقق هذا الوضع عبر توسيع أراضي الدولة من عرض يبلغ 12 كلم إلى 70 كلم، عبر التمركز على جبال يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، التي تمنع من إمكانية رمي اليهود إلى البحر».
لكن الأخطر من احتلال الأرض الذي نتج من هزيمة حرب 67، كانت الهزائم السياسية والمعنوية التي أنتجتها. حتى بات التنظير لمنطق الهزيمة جزءاً من الخطاب السياسي الرسمي العربي، ويُقدَّم على أنه الطرح الواقعي والأكثر عقلانية. وهو ما أورده نتنياهو أيضاً في المناسبة نفسها، بالقول: «في أعقاب نتائج حروب الستة أيام، وحرب يوم الغفران (1973) تغلغل وعي لدى جزء من العالم العربي، بأنّ إسرائيل دولة لا يمكن التغلب عليها. النصر والردع الإسرائيليان شكّلا عاملاً حاسماً بأن تتوصل دول عربية إلى فهم أنه ينبغي الاعتراف بوجود دولة إسرائيل وعقد سلام معها. وهكذا وقعنا على اتفاقيات سلام مع مصر والأردن، وأيضاً وصلنا إلى مؤشرات مصالحة مع الفلسطينيين».
وهكذا قدّرت تل أبيب، ومن ورائها واشنطن، أنه بفعل المسار الذي انطلق في عام 67، وتواصل تصاعدياً (بالإجمال)، وصولاً إلى اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من إطباق السيطرة على المنطقة. واستناداً إلى هذه الرؤية، عمدت إسرائيل في ضوء البيئة الإقليمية التي أنتجت تغييراً جذرياً في موازين القوى الإقليمية، إلى اجتياح لبنان عام 1982، على أمل استكمال دائرة توسعها باتجاه لبنان، وفي الوقت نفسه، إنهاء القضية الفلسطينية من خلال القضاء على البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية في لبنان، وأيضاً إلى إخضاع سوريا. وما عزَّز من رهانات إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، أن ساحة الاحتلال هذه المرة كانت الدولة الأضعف والأصغر من بين دول الطوق.
في المقابل، إن صمود سوريا، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران، الذي تزامن مع خروج مصر من دائرة الصراع، وانطلاق المقاومة الجادة والفاعلة والمتواصلة في لبنان، أدت إلى عكس النتائج والرهانات... وبالنتيجة، لم تقتصر مفاعيل المقاومة ونتائجها على تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، بل أدت أيضاً إلى إسقاط العديد من المعادلات التي أنتجتها الهزائم، وثبّتت بدلاً منها معادلات مضادة، أُولاها إمكانية تحرير الأرض من دون دفع أثمان سياسية للعدو... وبالتالي إمكانية الانتصار على إسرائيل، وإمكانية فرض معادلات ردع متبادل يقيد الدور الوظيفي العسكري المباشر لدولة بحجم إسرائيل.
ولعل من يكفينا عناء التحليل والاستدلال على هذه الوقائع - التي لا تحتاج إلى أدلة - ليس خبراء ومعلقين من صفوف العدو، بل الأبلغ دلالة أن من بادر إلى الكشف عن الربط بين مفاعيل انتصارات المقاومة في لبنان، ولاحقاً في فلسطين، وتلك التي أنتجتها سلسلة الهزائم العربية، كان رأس الهرم السياسي في كيان العدو، وتحديداً رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، عندما كان يتولى رئاسة المعارضة، بالقول: «... لكن منذ الانسحاب الأُحادي من لبنان (عام 2000)، ومروراً بالانسحاب الأُحادي من قطاع غزة (عام 2005)، وحالياً بعد حرب لبنان الثانية (عام 2006)، انقلب الاتجاه»، الذي انطلق بحسب تعبيره بعد حرب عام 1967. ونتيجة انقلاب هذا الاتجاه، يقرّ نتنياهو بأن الانتصارات التي تبلورت على الساحة اللبنانية أدت إلى مفاهيم مضادة لتلك التي أنتجتها حرب الـ67 وما تلاها، فـ«الآن من الواضح أن إسرائيل ليست دولة لا يمكن التغلب عليها. وعلامات الاستفهام عادت ترفرف فوق استمرار وجود دولة إسرائيل، ليس فقط لدى الأعداء، بل أيضاً لدى الأصدقاء». وسبقه إلى ذلك تقرير فينوغراد الذي أجمل خطورة المفهوم الذي انتجته حرب عام 2006، في الفقرة 63 من مقدمته، «...إن صحة مقولة (لا يوجد حل عسكري) تعني أن إسرائيل لن تستطيع البقاء في هذه المنطقة، ولن تستطيع الاستمرار فيها بسلام أو بهدوء، من دون أن تعتقد هي نفسها، فضلاً عن محيطها، بأن الجيش يمكن أن ينتصر، وأنه يوجد لدى إسرائيل قيادة سياسية وعسكرية، وقدرات عسكرية ومناعة اجتماعية تسمح لها بالردع...».