ليس السؤال لماذا تستضيف قنوات تلفزيونية إسرائيلية شخصيات سعودية، للحديث عن الأزمة مع قطر، أو أي قضية أخرى، عبر بثّ مباشر من السعودية. بل السؤال لماذا يبادر أو يوافق الطرف السعودي على إجراء مقابلة إعلامية مع وسائل إعلام إسرائيلية، في هذا التوقيت بالذات وفي قضية خلافية بين دول الخليج بدا أن إسرائيل وقفت على المستويين الرسمي والإعلامي إلى جانب الرياض.


المعروف أن المطلب الإسرائيلي الدائم هو إجراء مثل هذه المقابلات مع كل الجهات التي لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية معها. ويصبح الأمر أكثر إلحاحاً عندما ينطوي على دلالات سياسية، وفي قضية خلافية خليجية بينية. وبالتالي ما قام به الإعلام الإسرائيلي أمر مفهوم، ويتلاءم مع السياسة العامة للكيان الإسرائيلي. وبمعايير إسرائيلية، شكلت المقابلة الإعلامية فتحاً جديداً، والأكثر دلالة ــ إعلامياً وسياسياً ــ أن السعودية اختارت قضية خلافية خليجية بينية، لافتتاح أول تطبيع إعلامي مباشر على الهواء مع إسرائيل.
مع ذلك، قد لا تكون مقابلة «القناة الثانية»، مع شخصية مثل مدير مركز أبحاث من جدة، عبد الحميد حكيم، سبقاً إعلامياً، وما كانت لتأخذ حيِّزاً في الاهتمام الإعلامي في مناسبات أخرى، في حال إجراء القناة مثل هذه المقابلة. ولكن الشخصية سعودية، ظهرت عبر بث مباشر عبر «سكايب»، وفي قضية خلافية خليجية، وضمن سياق تطبيعي تصاعدي تعتمده الرياض مع تل أبيب. وبعد القمة الأخيرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يتوقع في أعقابها المزيد من خطوات التقارب السعودي باتجاه إسرائيل، على كافة المستويات.
في ضوء ذلك، يتجاوز هذا الحدث الإعلامي الطابع، في أبعاده ورسائله مجرد كونه مقابلة تلفزيونية. إذ لا تشبه مقابلة مدير مركز أبحاث من جدة، مع القناة الثانية الإسرائيلية، أي مقابلة تجريها قنوات التلفزة الإسرائيلية مع أي شخصية عربية أخرى. أولاً للثقل الذي تتمتع به الرياض في أوساط واسعة في العالمين العربي والإسلامي، والثاني للرمزية التي تقدم نفسها بها. وثالثاً لكونه يأتي في سياق له ما قبله، وما بعده وبموازاته، خطوات سعودية تطبيعية أخرى، لها أهداف محدَّدة، تتصل ببلورة تحالفات جديدة لاحتواء مفاعيل التطورات التي شهدتها وتشهدها المنطقة، تشكل الرياض وتل أبيب ركنيها الأساسيين.
على ذلك، تأتي الخطوة الإعلامية السعودية ترجمة لقرار رسمي باستكمال المسار التطبيعي مع إسرائيل، الذي أخذ أشكالاً متعددة خلال المرحلة السابقة. ثم تلقى زخماً إضافياً بعد زيارة ترامب للسعودية، حيث بدا أن العلاقة الإسرائيلية ــ السعودية مقبلة على تطور جديد.
في المضمون، يلاحظ أن (بعض) الإعلام الإسرائيلي تبنى في مقاربة الأزمة مع قطر الرواية السعودية وتعامل مع التهم التي وجهتها الأخيرة لها، على أنها حقائق وليست فقط مجرد روايات متقابلة. وبالرغم من أن مضمون هذه التهم مدعاة «للسخرية» إلا أن بعض الإعلام الإسرائيلي ردد ما تروج له السعودية، واعتبر أن خلفية الأزمة تعود إلى أن قطر تدعم إيران والنظام السوري وحزب الله.
وبحكم أن المنصة إسرائيلية وإكراماً للمضيف الإسرائيلي، كان لا بد «للضيف» السعودي أن لا يكتف بالتحريض على شريكه القطري في إنتاج هذا المشهد العربي، بل أدلى بدلوه أيضاً، بالتحريض على مقاومة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال. ودعا إلى بناء شرق أوسط جديد، يقوم على شرعنة الاحتلال تحت مسمى «السلام»، وإلى مكافحة الإرهاب الذي يتفق مع إسرائيل في تشخيص مصاديقه.