لندن | يتوجه حوالى 46 مليوناً من الناخبين البريطانيين اليوم إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في البرلمان المقبل، في استحقاق انتخابي مثقل بالملفات، على نحو استثنائي. ويتنافس على المقاعد الـ650 أكثر من 3300 مرشح في كافة مقاطعات المملكة المتحدة، بما فيها اسكتلندا وإيرلندا الشماليّة، ينتظم أغلبهم تحت عدة أحزاب سياسيّة، وإن كان التنافس الحقيقي يقتصر على الحزبين الكبيرين في إنكلترا وويلز، وهما «حزب المحافظين» اليميني الحاكم بأغلبيّة في البرلمان المنحلّ، و«حزب العمّال» صاحب أكبر كتلة معارضة، بينما تتجه الأحزاب القوميّة في كل من اسكتلندا وإيرلندا الشمالية إلى فوز شبه أكيد بالمقاعد المخصصة لدوائر مقاطعاتهم الانتخابيّة.


عودة «العماليين» وانكسارات ماي

كانت رئيسة الوزراء البريطانيّة تيريزا ماي قد تولّت دفة القيادة في «حزب المحافظين»، إثر الفوضى السياسيّة و«صراعات القصر» داخل الحزب الحاكم التي تلت الإعلان في 23 حزيران/ يونيو الماضي عن تأييد أغلبيّة بسيطة (52 في المئة من الناخبين) لترك الاتحاد الأوروبي. وهي انتقلت وقتها من صف المؤيدين للاحتفاظ بعضوية الاتحاد إلى كبيرة صقور الساعين إلى تنفيذ ما سمّته بـ«خَيار الشعب» (البريكست)، الأمر الذي فعلته في آذار/ مارس الماضي، عبر إطلاق حكومتها مفاوضات الطلاق مع الاتحاد الأوروبي، بالاستناد إلى موجبات «معاهدة لشبونة» الأوروبية.
إلا أنّ التحديات التي أفرزتها تلك التوجهات على الصعد السياسية والاجتماعيّة والاقتصاديّة، أضعفت موقف ماي، واتهمها الفرقاء السياسيون، بمن فيهم أعضاء في حزبها الحاكم، بأنها تفتقد الشرعيّة الانتخابيّة ــ لأنها خلفت ديفيد كاميرون من دون انتخابات ــ التي تسمح لها باتخاذ قرارات حاسمة تمس حياة ومستقبل عدة أجيال من البريطانيين، بل إنها تهدد بانفراط عقد المملكة المتحدة كليّة لمصلحة النزعات الاستقلاليّة في اسكتلندا وإيرلندا الشماليّة (إلى جانب رغبة إسبانيا المُعلنة في استعادة السيادة على مقاطعة جبل طارق الخاضع لحكم لندن).
ورغم أن «حزب المحافظين» كان يتمتع بالأغلبيّة في البرلمان قبل حلّه، فإن تقييم فريق ماي السياسي وقتها دفع باتجاه الاستفادة من الفوضى الضاربة في «حزب العمال» المعارض، ومن انهيار قاعدة «حزب استقلال المملكة المتحدة» (منافس المحافظين الوحيد على أصوات اليمين الإنكليزي)، لإجراء انتخابات عامة مبكرة تضمن احتفاظ «المحافظين» بالسلطة حتى عام 2022 على الأقل. وهذا سيناريو من شأنه منح ماي شرعيّة تمكّنها من إدارة ملف «بريكست» العويص من دون مشاغبات.


أعطت استطلاعات الرأي الأولية «المحافظين» أغلبية مريحة في السباق الانتخابي


في حينه، مثّلت الدعوة إلى انتخابات مبكرة رهاناً صائباً (أو ضربة معلّم)، خاصة أنّ استطلاعات الرأي الأولية أعطت «المحافظين» أغلبية مريحة في السباق الانتخابي. ولعلّ أحد أسباب التقدّم في استطلاعات الرأي، أنّ «العمال» الذي هو أشبه بمظلة تجمع تيارات مختلفة من الطبقة العاملة والاتحادات النقابيّة، كان مسرحاً لحرب داخليّة طاحنة بين جناحين: يمين الحزب ويساره.
«البليريون» (نسبة إلى توني بلير، العمّالي)، وهم اليمينيون في الحزب، الذين لم تختلف سياساتهم أثناء توليهم السلطة في العقد الماضي عن المحافظين بشيء تقريباً، بل كانوا وراء مشاركة بريطانيا في غزو العراق عام 2003، عملوا من دون رحمة على محاصرة نجم الحزب الطالع جيريمي كوربن، الذي تسانده كتلة «يسار الحزب» والقواعد الشعبيّة والشبابيّة، لا سيما أن «البليريين» يمثلون الجزء الأهم من كتلة «حزب العمال» في البرلمان.
ورغم الهجوم الإعلامي المركّز ضد كوربن، في الصحف الكبرى وقنوات التلفزيون الرئيسيّة، وتحالف كل أطياف اليمين ضدّه شخصيّاً، فإن شعبيّته ما فتئت تتزايد، فتدفقت على «حزب العمال» أعداد متزايدة من الأعضاء الجدد، بعضهم شباب «عماليون» سابقون كانوا قد يئسوا من العمل العام تحت توجهات «البليريين»، أو حتى آخرون ممن لم يسبق لهم غالباً الانتخاب أو تعاطي السياسة، ما جعل من تعداد الأعضاء الفاعلين في الحزب يبلغ أكثر من نصف مليون، ليكون بذلك أكبر أحزاب «اليسار الديموقراطي» في أوروبا الغربيّة على الإطلاق.
نجوميّة كوربن، وإن كانت بعض مواقفه لم ترضِ الشيوعيين أو معارضي «بريكست» كفاية، عزّزت من صورة الحزب في أعين الطبقة العاملة، ونجح فريقه الذي يقوده الثعلب الماركسي المحنك جون ماكدونيل (وزير مالية الظلّ في حكومة الحزب)، في تقديم مانيفستو شديد الذكاء يمنح الكتلة الأكبر من المواطنين أملاً بتحسن الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة بعد عقد تقريباً من سياسات التقشف المقيتة التي آذت على نحو رئيسي الطبقات الأقل حظاً في المجتمع. وهكذا بدأت الحملة الانتخابيّة للحزب تحصد نجاحات متصاعدة عكستها استطلاعات الرأي، التي ما فتئت تزيد من حجم الحصة التي يُتوقع حصول «العمال» عليها، بناءً على نيّات تصويت الناخبين.
لكنّ تحول استطلاعات الرأي الأخيرة على نحو دراماتيكي لمصلحة «حزب العمال»، واقتراب الأرقام في بعض الاستطلاعات من نقطة التعادل، لم يكونا حصراً بفضل «نجم روك الحزب، كوربن»، كما سمّاه أحد الصحافيين. فقد توازى تألق كوربن مع أداء يكاد يقترب من حدود الكارثة من قبل ماي وحملتها الانتخابيّة، سواء في التعامل مع الشؤون العامة (كالهجمات الإرهابيّة، والتهديد بالتضييق على الحريّات العامة)، أو في المواقف السياسيّة الخارجيّة (التقرّب من ترامب، التحالف مع السعوديّة ودول الخليج، وبالطبع التخبط التام في إدارة العلاقة مع أوروبا وتداعيات البريكست)، إضافة إلى الحضور الشخصي الباهت، والهجمات غير الموفّقة على كوربن، وتجنّب الظهور العام. وأضاف مانيفستو الحزب المنحاز للأثرياء وللشركات الكبرى، شروخاً فوق الشروخ، ما دفع إلى اعتبار الحملة الانتخابية الحالية لـ«المحافظين» أسوأ حملات الحزب على الإطلاق. وهذا ما دفع أيضاً بعدد من المراقبين إلى القول إنّ «ماي فازت أو خسرت، فإنها دون شك تخوض آخر انتخابات عامة لها»، إذ يستحيل أن يُقدم الحزب على ترشيحها مرّة أخرى.

سيناريوات «اليوم التالي»

في ضوء ما تقدّم، فإنّ الإيقاع الانتخابي اليوم يفتح الباب على ثلاثة سيناريوات لأحداث اليوم التالي. السيناريو الأوّل، يقول إنّ «حزب المحافظين» سيتمكن من خلال الاستفادة من الكتلة اليمينيّة الصلبة من الناخبين الإنكليز «ذوي البشرة البيضاء والأثرياء، وبالذات كبار السنّ»، من المحافظة على أغلبيته البرلمانيّة، وبالتالي تشكيل الحكومة برئاسة ماي، وإنّ مسألة الحصول على مقاعد إضافيّة للحزب، تُعزز من أغلبيته في البرلمان، لا تزال قائمة، رغم «الأداء الأخرق» لماي، وذلك بفضل 12 في المئة من الناخبين الذين كانوا قد اتجهوا إلى «حزب استقلال المملكة المتحدة» في الانتخابات السابقة، ويبدو أنهم في وارد التفرّق الآن. هذا السيناريو يفترض أساساً أن يَفشل فريق كوربن في انتزاع مقاعد أكثر من تلك التي حصل عليها الحزب في عهد سلفه ميليباند، خلال الانتخابات الماضية. وهو ما يطرح بالتالي إمكان انسحاب كوربن من قيادة الحزب، في سيناريو سيكون حتماً بمثابة كابوس للطبقة العاملة، وقد يعني سيطرة «المحافظين» على السلطة دون منازع طوال عقد مقبل، وخفوت نجم «حزب العمال» على نحو لا يمكن إصلاحه في المدى المتوسط.
السيناريو الثاني يشير إلى إمكان تقدم «حزب العمال» وحصوله على نتيجة أفضل بشكل ملموس مقارنة بنتائج الانتخابات السابقة، على نحو يُعزز موقف كوربن، سواء في قيادة حزبه، أو حتى في قيادة معارضة فاعلة في البرلمان الذي وإن حصل فيه «المحافظون» على أغلبيّة هشة، فإنها لن تكون كافيّة ربما لتمرير كل السياسات بسبب تصويت معارض من قبل بعض المتمردين من «المحافظين» بين الحين والآخر. هذا السيناريو، الأقرب إلى الواقع، سوف يسمح لـ«العمال» بفترة من البناء الداخلي والتخلص من العناصر «البليريّة» خلال الخمسيّة المقبلة، بحيث يمكن له المنافسة على حكم البلاد في الانتخابات التالية، وسُيخضع الطبقة العاملة لكابوس أقصر ربما وأخف وقعاً نسبياً. لكنه يعني بالضرورة استمرار التوجه نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي.
السيناريو الثالث، وهو سيناريو متفائل نوعاً ما، يعتمد على فوز «العمال» بأغلبيّة، وحدهم، وهذا أمر مستبعد، أو على الفوز على الأقل بعدد كبير من المقاعد يمنع «المحافظين» من الحصول على الأغلبيّة، وفي ذات الوقت يفتح الباب أمام قيام جبهة تقدميّة موحدة يشكّلها تحالف كل المتضررين من وصول «المحافظين» إلى الحكم، وتجمع إلى «العمال» أحزاب «الأحرار» (ليبراليون معارضون للبريكست)، و«الخضر» (الصغير)، إضافة إلى الأحزاب القوميّة في كل من اسكتلندا وإيرلندا الشماليّة المهيمنة على أصوات الناخبين هناك. هذا السيناريو الذي سيكون في الأساس انتصاراً للطبقة العاملة الإنكليزيّة، ويريح أعصاب الشركاء الأوروبيين بالذات، سوف يوصل كوربن إلى مقر رئاسة الوزراء في «10 داوننيغ ستريت» بشعبيّة ستكون عندئذ غير مسبوقة ربما منذ أيام تشرشل في منتصف القرن الماضي. وهو سيناريو أصبح، وبشكل متزايد، ممكناً، ولكنه يحتاج إلى دفع الناخبين للتصويت بشكل تكتيكي، بمعنى التصويت بشكل جماعي للمرشح الأقدر على انتزاع مقعد كل دائرة انتخابيّة من اليمين بغض النظر عن انتمائه الحزبي. وهو أمر لم تعمل عليه الأحزاب مبكراً على نحو كاف، وسيحتاج الآن إلى وعي الطبقة العاملة أكثر من أي شيء آخر.
في المحصلة، هي انتخابات حاسمة، وعلى أكثر من صعيد، داخلياً وخارجيّاً، وكل التوقعات تشير إلى إقبال قياسي للإدلاء بالأصوات اليوم. فهل سيكون التاسع من حزيران/ يونيو بمثابة جمعة عظيمة للطبقة العاملة البريطانيّة. هي ساعات... ونعرف.