لندن | عندما أجرت بريطانيا انتخاباتها البرلمانية السابقة في السابع من أيار 2015، تحدثت غالبية وسائل الإعلام عن مشاركة كثيفة وصلت إلى 66.1%، عُدّت الأعلى منذ 18 عاماً. قبلها بثمانية أشهر، كانت المملكة المتحدة قد شهدت أحد أبرز استحقاقاتها الذي تمثّل بالاستفتاء على استقلال اسكتلندا، وجاءت نتيجته لمصلحة رفض هذا الاستقلال.


اليوم، تخوض بريطانيا انتخابات برلمانية جديدة، سبقها استحقاق ينطوي على أبعاد أكثر أهمية وحساسية على مستويات كثيرة، أي التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي جرى في حزيران من العام الماضي. استحقاق لا تزال نتائجه الاقتصادية والسياسية غير واضحة، ولكن تداعيات عدّة أنتجها تطغى على الحملات الانتخابية لزعيمي الحزبين الأساسيين.
وبين هذين الاستحقاقين، ثلاث هجمات إرهابية شهدتها لندن خلال الأشهر الثلاثة الماضية، تركت بصمة على مسار الحملات الانتخابية الحالية، وربما لقيت صداها في نتائج عملية التصويت.
إذاً، الأمن، الاقتصاد، السياسة، العلاقة مع الاتحاد الأوروبي… عناوين أساسية شغلت بال الناخب البريطاني، وحفلت بها حلقات النقاش التي استضافتها وسائل الإعلام المحلية، والخطابات الصادرة عن المرشحين. ولكن هل هي كافية لتحرّك الشارع البريطاني، وخصوصاً فئة الشباب التي أتعبتها ثلاثة استحقاقات مصيرية، خضعت لها منذ ثلاث سنوات إلى اليوم؟


يعوّل كل من
ماي وكوربن على
نسبة مشاركة عالية
بين الشباب


في عام 2015، دحضت هذه الفئة الاعتقاد السائد بأنها لن تشارك بكثافة نظراً إلى أنها ترى أنه ليس من السهل إسماع صوتها، بل إن هذا الصوت لن يُحدث فرقاً. وإلى حدّ بعيد، كان هذا الاعتقاد مبنياً على سوابق ووقائع، منها ما حصل أثناء انتخابات عام 2010، عندما شارك 44% فقط من الناخبين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً. ولكن ما حصل في عام 2015، شكّل تحدّياً للتوقعات السلبية، وقد توصّل مركزBritish Election Study، حينها، إلى أن نسبة مشاركة الشباب وصلت إلى 65%.
الآن، بعد مرور عامين، يعوّل كل من رئيسة الحكومة البريطانية وزعيمة «حزب المحافظين» تيريزا ماي، وزعيم «حزب العمال» جيريمي كوربن، على نسبة مشاركة عالية، مماثلة لتلك التي حصلت قبل عامين. ويتوقّع الطرفان أن تطغى مشاعر الحماس على مشاعر الخوف لدى الناخبين. وبما أن الشباب عادة ما يشكلون فئة مرنة في الانتخابات، تنصبّ جهود مسؤولي الحملات على تحريكهم واستدراجهم، بهدف تحصيل أعلى نسبة أصوات بينهم.
في جولة سريعة أجرتها صحيفة «الأخبار» في بعض الشوارع البريطانية، كان من الممكن تلمّس مشاعر الخيبة أو عدم الاهتمام، بدلاً من الخوف نتيجة الهجمات الإرهابية، أو الحماسة لإحداث تغيير ما. وقد بدا الانقسام واضحاً ضمن هذه الفئة، خصوصاً إذا ما أُخذت في الاعتبار القضايا المختلفة التي تلامس واقعهم. طوم (23 عاماً) الذي يعمل في إحدى شركات الهندسة، يرى أن ليس من الضروري المشاركة في هذه الانتخابات، بل إنه متأكد أن صوته لن يحدث فرقاً. أما صديقه بيتر (22 عاماً)، فيقول إنه لن يشارك، لأسباب مختلفة، وهي عدم رغبته «في الرضوخ لأهواء تيريزا ماي الشخصية، التي قرّرت فجأة إجراء انتخابات مبكرة، من أجل تأكيد سلطتها والحصول على حرية أكبر خلال مفاوضات البريكست».
ستيفاني (19 عاماً)، من جهتها، غير متحمّسة للمشاركة، ولكنها ستصوّت لتمارس حقها الانتخابي. كذلك ليلى (22 عاماً)، التي تعمل في أحد محالّ الهواتف المحمولة، فهي لا تعرف لمن عليها أن تصوّت ولماذا، ولكن كل ما تطلبه هو «التعاطف والسلام والقيادة القوية، إضافة إلى الاستقرار، والتعليم الجيّد». آخرون يربطون الانتخابات الحالية بالمرحلة المصيرية، ومنهم من يرى أنه يجب إنهاء النقاشات الدائرة بين المرشحين حول الـ«بريكست»، والتركيز على التوحّد في مواجهة الإرهاب الذي يتهدّد بلادهم، وبالتالي العمل على حماية الأمن. ومن هؤلاء سارة (21 عاماً) التي ترى أن الانتخابات الحالية يجب أن تصبّ في هذا الاتجاه، «لوضع حدّ للظروف الاستثنائية».
بصرف النظر عن مدى تمثيل هؤلاء لفئة الشباب، وبانتظار أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها، أشارت آخر الاستطلاعات الصادرة عن مركز «إم آي سي» إلى أن نحو ثلثي الناخبين، الذين تراوح أعمارهم بين 18 و24 العمال، سيصوّتون لـ «حزب العمّال». وإن صحّت هذه التقديرات، فإن هؤلاء الشباب سيلعبون دوراً مصيرياً في تحديد هوية عدد من المقاعد الهامشية، وبالتالي في النتيجة النهائية، على حدّ تعبير عدد من المراقبين. وبحسب مركز الاستطلاع المذكور، من المتوقع أن يدلي 63% من الشباب بأصواتهم، فيما يخطط 68% منهم للتصويت لحزب العمال. وقد رأى 50% من المستطلعين أن جيريمي كوربن يملك صفات جيّدة للقيادة، في مقابل 28% لتيريزا ماي. لكن هذا المركز لا يهمل الالتفات إلى آراء المستطلعين الذين تبلغ أعمارهم ٦٥ عاماً أو أكثر، والذين تفضل النسبة الأكبر منهم تيريزا ماي.
شبكة «بي بي سي» أشارت، من جهتها، نقلاً عن استطلاع أجراه مركز Yougov إلى أن الانتخابات الحالية لن تشهد تغيّراً ملموساً إن كان بالمقارنة مع مشاركة الشباب في انتخابات عام 2015 أو مع نتائجها. وبانتظار جلاء موقف الشباب البريطاني، تواظب الماكينات الانتخابية التابعة للحزبين الرئيسين على استنهاض هممهم لمصلحة مرشحيها، علّهم بمشاركتهم يُحدثون الفارق المطلوب.