خصّصت وكالات الفضاء الدولية العديد من المهمات الاستكشافية إلى كوكب المرّيخ لقربه من كوكب الأرض وتشابه تكوينه الجيولوجي الصخري معها، إضافة إلى رصد مناطق واسعة فيه ذات خصائص سطحيّة أشارت إلى احتمال وجود ماء على سطحه قبل وقت طويل. وبخلاف كوكب «الزهرة» القريب أيضاً من الأرض، لا يوجد حول المرّيخ غلاف جوي كثيف يصعّب عملية الوصول إلى سطحه كما يفعل غلاف الزهرة الذي يرفع من حرارة سطحها أيضاً إلى مئات الدرجات المئوية.


ورغم هذه الظروف الصعبة أرسل السوفيات قبل عقود عدة مركبات إلى كوكب الزهرة أثبتت صعوبة ظروف سطحه وغلافه الجويّ، ولم يعد يثير الكثير من الاهتمام الاستكشافي اليوم، أمّا المرّيخ فكان محط اهتمام واسع حتى يومنا هذا حيث وضعته وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» في أولويات عملها في المجموعة الشمسية خلال العقود المقبلة، إضافة إلى اهتمام أوروبي وروسي وصيني في متابعة البحث العلمي في خصائصه.

خصائص السطح

بالفعل، نجحت «ناسا» في إرسال مربكة صغيرة جوّالة تتنقّل على سطح هذا الكوكب منذ عام 2012، وتحديداً في المناطق ذات الاهتمام العلمي، وكان آخرها وصولها إلى فوهة يصل ارتفاعها إلى 4500 متر لدراسة الصخور التي يتشكل منها باطن هذه الفوّهة التي تشير الأبحاث إلى أنّها كانت بحيرة كبيرة تبلغ مساحتها آلاف الكيلومترات المربّعة مليئة بالمياه العذبة قبل زمن طويل. ورغم أن هذه البحيرة قد جفّت منذ أزمنة بعيدة، إلّا أن البقايا والترسبات التي تركتها وراءها على الصخور يمكن أن تعطينا الكثير من الأدلة حول ماضي الكوكب الأحمر ومدى ملاءمته للحياة البيولوجية في تلك الفترة. وبالنظر إلى النتائج التي أظهرتها التحاليل الصادرة من قلب هذه الفوهة، وصل العلماء إلى استنتاج هام مفاده أن هذا الكوكب الأحمر كانت لديه كل المكوّنات الفيزيائيّة والكيميائيّة والحراريّة اللازمة لتطور الحياة، وذلك قبل حوالى 3.5 مليار سنة، وهو ما يوازي تقريباً الوقت الذي نشأت فيه الأشكال الأولى من الحياة فوق سطح الأرض.

تحليل كيميائي يفتح نافذة على الماضي

الدراسات استندت إلى تحليل كيميائي دقيق لطبقات الصخور داخل الفوهة التي كانت بحيرةً فيما مضى، وعلى عمق امتد لحوالى 100 متر. المكوّنات الكيميائيّة لهذه الصخور تعطي مؤشرّات أساسية حول ظروف تشكلها وبالتالي ظروف الكوكب في حينه. وتستند الفكرة إلى دراسة معدّل توافر معدني الصوديوم والكالسيوم بالنسبة إلى الألومنيوم المتوفّر في كل طبقة. إذ أن ظروف الطقس الحار ترفع درجة حراراة المياه وتزيد من قدرتها على إذابة الصوديوم والكالسيوم دون تغيّر ملحوظ في نسبة ذوبان الألومنيوم. هذا يعني أن الصخور التي تحوي نسبة أقل من الصوديوم والكالسيوم بالنسبة إلى الألومنيوم هي صخور تكوّنت على حرارة أعلى من تلك التي توجد فيها نسبة أقلّ. ونتيجة لهذه الظاهرة الكيميائيّة المعروفة، تمكّن الفريق البحثي من الاستنتاج بأن هذه البحيرة كانت في مراحل عمرها الأولى معتدلة نسبيّاً ثم بدأت حرارتها بالارتفاع تدريجياً حتى تبخّرت كليّاً نتيجة خسارة الكوكب الكارثيّة لغلافه الجوّي في تلك المرحلة. كما أظهرت الدراسة نفسها أن المناخ المعتدل دام لفترة طويلة على سطح المرّيخ، ولفترة أطول مما كان يُعتقد سابقاً.

توفّر ظروف الحياة المجهريّة

كذلك، توجد في هذه البحيرة البيئة الحاضنة التي تسمح لتشكيلة واسعة من الميكروبات بالنمو والتكاثر، إذ وجد المسبار على سطحها كميات كبيرة من آثار الأوكسيجين، بينما تقلّ تلك الكميّات مع الغوص عميقاً إلى أن تصبح نادرة في العمق. ومن المعروف أن الحياة الميكروبيّة – كما نعرفها جيّداً في بيئة الأرض – تحتاج إلى الأوكسيجين كي تنمو وتتكاثر وتأتي في أنواع مختلفة بحسب وفرة الأوكسيجين. لذلك، كانت هذه البحيرة الفانية تشكّل فيما مضى باقة منوّعة من الخيارات أمام تكاثر الحياة المجهريّة الدقيقة ما يسمح بنشوء حياة عضوية غنيّة. هذا الاكتشاف بحدّ ذاته هو إنجاز علميّ لأنه يؤكد لنا أن كل الظروف الكيميائيّة المطلوبة لنشوء بيئة شبيهة بالأرض قد وُجدت فعلاً في كوكب المرّيخ قبل حوالى 3.5 مليار سنة.


كان للكوكب الأحمر
كلّ المكوّنات الفيزيائيّة والكيميائيّة والحراريّة لتطور الحياة قبل 3.5 مليار سنة


وعلى الرغم من أن الهدف من هذا المستكشف الذي يسرح في أراضي المرّيخ هو البحث عن الظروف السائدة قديماً فيزيائيّاً وكيميائيّاً وبيولوجيّاً على سطح المريخ، إلّا أن ذلك لا يكفي لتأكيد أو نفي وجود حياة قديمة بأشكال مختلفة على سطح الكوكب. جلّ ما نستطيع الإجابة عنه في هذه المرحلة هو تأكيد توفّر ظروف مناسبة لنشوء الحياة واستدامتها، وتحديداً ظروف الحياة المجهريّة دون القدرة على الإجابة عمّا إذا كانت تلك الأشكال قد تطورت فعلاً أم لا. وسوف تكون مهمّة الرحلات الاستكشافيّة المقبلة هي التوسّع في عملية البحث هذه للإجابة عن السؤال الأعمق مستندين خلال تلك المهمّات إلى ما حققّته هذه المهمّة. كذلك طرحت بعض الاكتشافات احتمال استمرار وجود حياة بكتيريّة على سطح الكوكب حتى اليوم، وهي بحاجة إلى المزيد من البحث. إذ رصدت إحدى المهمات وجود مادة الميثان methane ومواد أخرى ذات خصائص مشابهة في المريخ، وهذه المادة تنتجها الخلايا الحيّة كما يمكن أن تأتي من تحلل المواد العضوية وبقايها وتعتبر إحدى الدلائل على وجود حياة عضوية، وهي مادة تتفكك بسرعة بظل وجود ظروف فيزيائيّة مثل تلك الموجودة على سطح المريخ. وبالتالي يعتبر وجودها مؤشراً هاماً أنّها حديثة التكوين، وليست مستمرّةً من عصور سابقة، وهو ما يعني أنّ الميثان يتم إنتاجه حاليّاً وبشكل مستمر في المرّيخ، ما يعطي إشارةً محتملةً لوجود حياة عضوية (بكتيريّة). إلّا أنّه توجد فرضيّة أخرى ممكنة لتشكّل الميثان من المواد التي تفرزها البراكين الثائرة والتي تحمل معها مواد كيميائيّة متنوعة من باطن الأرض، وهو ما يعطي بالتالي تفسيراً ممكناً آخر. لذلك تبقى مسألة وجود الحياة البكتيريّة اليوم على سطح الكوكب تحت البحث وسوف تكون أيضاً على جدول أعمال الرحلات المستقبليّة التي ستقوم باختبارات وقياسات أوسع، وبطرائق جديدة بتثبيت أو دحض هذه الفكرة.
ليس معروفاً بشكل دقيق لماذا ارتفعت درجة حرارة المرّيخ وتغيّرت تركيبة غلافه الجوي حتى اختفى معظمه، لكنّ الأسباب الطبيعيّة ترتبط عادة بالحركة البركانية والاصطدام مع أجرام سماوية أخرى كبيرة وتغيّر ميلان محور الكوكب. إلّا أن الواضح والأكيد أن هذه التغيّرات العميقة من الحرارة المعتدلة ثم السخونة الزائدة قد أدّت إلى اندثار الغلاف الجوي وتسربه إلى الفضاء المحيط، وبغيابه تحوّل الكوكب إلى مناخ بارد ومتطرّف وإلى نشوء بيئة قاسية ومقفرة لم تعد صالحة للحياة العضوية، إلّا باستثناءات بسيطة داخل فوهات أو أخاديد عميقة أو في طبقات معيّنة تحت الجليد.




الكوكب الأحمر

المرّيخ هو الكوكب الرابع في بعده عن الشمس وهو يأتي مباشرةً بعد كوكب الأرض في مجموعتنا الشمسية درب التبانة، وهو ثاني أصغر كوكب في هذه المجموعة ويبلغ قطره نصف قطر الأرض، ويبلغ وزنه عشر وزنها. يعرف بالكوكب الأحمر بسبب وجود مادة أوكسيد الحديد الحمراء بكثافة في تركيبة ترابه وصخوره. وأوكسيد الحديد في لغتنا اليومية هو «الصدأ»، وهذا الصدأ يملأ سطح الكوكب لذلك يبدو مائلاً للون الأحمر إلى البنيّ عند رصده بالتلسكوبات. لديه غلاف جوي رقيق جداً وتوجد على سطحه العديد من الفوهات والأخاديد والحفر الناجمة عن العوامل الطبيعية والارتطام مع نيازك فضائية. تشير الدراسات إلى تشكيلات جيولوجية في قطبيه الشمالي والجنوبي تشبه تلك التي يشكّلها الجليد القطبي في الأرض وتحوي حتى اليوم على كتل جليديّة كبيرة، كما توجد فيه الصحارى الواسعة والوديان التي تشبه مجاري الأنهار في كوكب الأرض ما يدلّ بكلّ الحالات على احتمال وجود سابق لماء سائل وجارٍ وكذلك إلى وجود الماء متجمّد على سطح هذا الكوكب في ماضيه الغابر.