الميكروبيولوجيا، قطاع أساسيّ في علوم الكائنات الحيّة، فإذا ما تزاوج مع مسألة الاحتباس الحراريّ، سينتج تنبّؤات خطرة على صعيد الصّحّة والأمراض في المدى المتوسّط والبعيد، فقد لوحظ منذ سنوات، تمدّد انتشار ميكروب البلاسموديوم، المسبّب لمرض الملاريا، شمال وجنوب خطّ الاستواء، حيث بلغ بقعاً جغرافيّة لم يكن موجوداً فيها سابقاً، ويرجّح العلماء سبّب هذا التّمدّد إلى ارتفاع الحرارة في هذه البقع الجغرافيّة، كما ويتوقّعون ومع ارتفاع حرارة الأرض تدريجيّاً، تمدّده أكثر فأكثر حتّى بلوغ سواحل المتوسّط، وربّما أوروبّا (في تبدّلات مناخيّة أكثر تطرّفاً).


الخطر السّيبيريّ الدّاهم

أعلن فريق من العلماء الفرنسيّين في مجلّة الأكاديميّة الوطنيّة الأميركيّة للعلوم في أيلول 2015، عن اكتشاف فايروس «ضخم» يعود للعصر الجليديّ، أي قبل ثلاثين ألف عام، في المناطق المتجمّدة السّيبيريّة شمال روسيا، هذا الفيروس الّذي يدعى «Mollivirussibericum»، هو رابع فايروس يُكتَشف منذ عام 2003 بين فايروسات «عصر ما قبل التّاريخ»، لكن ما يميّزه حجمه الّذي يتجاوز 0.6 ميكرون (وهذا ما يَنسُب إليه صفة «ضخم»)، كما تركيبته الجينيّة المعقّدة المؤلّفة من خمسمئة جينة (في حين يمتلك أحد أنواع فايروس الإنفلونزا ثماني جينات فقط).
وفي ظلّ احترار المناطق القطبيّة الشّماليّة ودون القطبيّة بمرّتين فوق المعدّل العالميّ، فإنّ الجليد في سيبيريا لم يعد دائماً، ما سيؤدّي إلى إيقاظ وتحرير هذا الفايروس، وعودته كخطر داهم إلى الكرة الأرضيّة على شكل وباء فتّاك قد ينتشر في مختلف أجزاء العالم، فقد قال قائد الفريق البحثيّ جان ميشال كلافري لوكالة الأنباء الفرنسيّة AFP «إنّ جزيئات قليلة من هذا الفايروس قد تكون كافية، بوجود مستقبل ضعيف، لإعادة إحياء وباء محتمل»، ولإثبات هذه الفرضيّة، على العلماء التّحقّق من قدرة هذا الفايروس على التّسبّب بأمراض لدى الإنسان أو الحيوان، ولهذا الهدف، قاموا بنقل عيّنات منه إلى مختبرات محميّة (على حدّ زعمهم، آملين عدم تكرار سيناريو الجمرة الخبيثة المزعوم هو أيضاً)، ووضعوه مع كائن أحاديّ الخليّة، «الأميبيا»، ليلعب هذا الأخير دور المستقبِل.


ذوبان الجليد سيحرّر
الفايروس السيبيري ليعود
على شكل وباء فتّاك


لكنّ اللّافت هو ما أضافه كلافري حول المنطقة الّتي وجد فيها الفايروس، وهي منطقة غنيّة بالمواد الأوّليّة لا سيّما النّفط، وستصبح مفتوحة أمام الاستكشاف الصّناعيّ بشكل متصاعد تلازماً مع ذوبان الجليد، فقد اعتبر أنّه «إذا لم نكن حذرين، وقمنا بتحويلها إلى منطقة صناعيّة من دون ضوابط، فسنطلق خطر إعادة إحياء أمراض كنّا اعتقدنا أنّها انقرضت».

البحوث ليست على الحياد

في خضمّ هذه الدّراسة، وبلمحة سريعة في المجلّات العلميّة الغربيّة عن الدّراسات والمقالات والمنشورات حول إشكاليّة الاحتباس الحراريّ، نجد أنّ الغالبيّة السّاحقة من هذه المنشورات تتمحور حول تأثير ومساهمة دول البريكس، والصّين بشكل أساس، في تفاقم أزمة احترار الأرض، وتتمحور هذه الدّراسات حول كميّة ثاني أوكسيد الكاربون المنبعثة من مصانع هذه الدّول، في محاولة لرمي المسؤوليّة عليها أو الضّغط العالميّ لتقييد تطوّرها الصّناعيّ المنتج (وهذا ليس بالبعيد عن كلام الباحث كلافري)، فيما تتناسى هذه الدّراسات مصانع الغرب والولايات المتّحدة على وجه الخصوص، الّتي لم تراع المعايير اللّازمة للحدّ الفعّال من إنتاج ثاني أوكسيد الكاربون، أو على الأقل الحروب الّتي انخرط فيها الغرب بسلطانه كما سلاحه. من هنا نجد أنّ مالكي القرار في توجيه البحث العلميّ وتمويله، لا يتوانون عن تحريف مواضيع الدّراسات نحو أهداف لا تخدم سوى سياسات الغرب وتعميمه لبروباغاندا شيطنة القوى الصّاعدة، كما ثقافة الخنوع عبر نشر مفاهيم تقنع شعوب الدّول الفقيرة بمسؤوليّتها «المهمّة» في كبح تغيّر المناخ، كاعتماد «أنظمة غذائيّة نباتيّة» وتقنين الصّناعات ووسائل النّقل، وكأنّ الأزمة تكمن هنا، ولا تكمن أبداً في جشع الولايات المتّحدة واستمرارها بالنّموذج الرّأسماليّ الّذي لا يبغى إلّا الرّبح ولو كان على حساب الأرض وشعوبها.
على الأقلّ اليوم، باتت أميركا أكثر صراحةً مع ترامب، وبات من السّهل كشف النّقاب عن الخدع الّتي أغرقنا بها الإعلام الغربيّ باسم «التّطوّر العلميّ والحضارة»، وهذه التّعرية بالضّرورة، لن تتمّ إلّا من باب العلم، الّذي لا يمكن أن يكون محايداً.