من ألدّ أعداء البيئة «الجهل». وهو من سمات الضالعين في تدمير بيئتهم، سواء عن قصد أو غير قصد. في الحالتين الضرر محتّم علينا وعلى هؤلاء الجهلة، حتى لو ظن بعضهم أنه استفاد، لكنه لن يحمي نفسه من مفاعيل ما ارتكب.


من الأمثال الساطعة على هذا المبدأ كيفية التعامل مع نوع من السحالي المعروف بأبو بريص أو «بوبريص» أو «وزغة» (Gecko). أكثر ما يعرفه الناس هو البوبريص المنزلي، لأنه يدخل البيوت والمباني، وهو أحد أربعة أنواع من الوزغات في لبنان، وواحد من أكثر من 1600 نوع معروف منها في العالم.
ينتشر البوبريص المنزلي (Hemidactylus turcicus) في مناطق جغرافية عديدة محيطة بالبحر الأبيض المتوسط وفي جزره، ويمتد شرقاً حتى الهند.
ونجده الآن منتشراً في عدة أماكن في أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي، منتقلاً عبر أمتعة المسافرين.

خرافات

أول ردّ فعل على رؤية البوبريص هو الاستنفار والهجوم العنيف دون تردد والسحق بدون رحمة. تتعدد الخرافات والنتيجة واحدة لهذا الكائن المسكين، وهي توجّس الناس ممّا يعتقدونه عنه من «نحس» أو»برص» أو»نجاسة».
بالنسبة إلى النحس، كيف تقنع من لا يبدأ يومه قبل متابعة ما تستعرضه وسائل الإعلام (أو وسائل التجهيل) عمّا يتوقعه «علم» الفلك لبرجه.
ألا يسأل أحد، من «علماء» الفلك أوممّن يتقبّلون خزعبلاتهم، هل يمكن أن يدخل زحل أو غيره مثلاً في كل الأبراج في نفس اللحظة فيهلك في يوم واحد أو لحظة واحدة آلاف من الناس في تسونامي أو حادث طائرة أو قصف نووي؟ أو قد يصدف أن ينتمي جميع من هلك الى برج واحد؟ هناك برج واحد فقط لكل من يتابع توقعات الأبراج، وهو برج «الهبل». ولماذا لا يلوم الناس زحل على نحسهم بدل لوم البوبريص؟

منظف المنازل

الواضح أن لون جسم البوبريص المنزلي من أهم الأسباب التي دفعت الناس الى اتهام البوبريص بالتسبّب بالبرص. هذا من أكثر الأفكار رسوخاً في الوعي الجماعي لمجتمعاتنا... إلى درجة الاعتقاد أنه لو مرّ على بشرة أحدنا فسيترك وراءه خطّ مسار من البرص. غير أن ما يعرف بالبرص قد يكون المقصود به مرض الجذام Leprosy، وهو من أقدم الأمراض المعروفة عند البشر، وتسبّبه جرثومة بكتيريا من نفس فئة جرثومة السل.


من أكثر الحيوانات نظافة وأكثرها
عرضة للاضطهاد!

ينتقل هذا المرض عبر الاحتكاك الجلدي المباشر بين البشر أو عبر إفرازات الأنف، وليس للبوبريص علاقة بذلك من قريب أو بعيد. أما البهاق الذي يدعى خطأً بـ {البرص» فهو خلل جيني وراثي، ولا علاقة لأيّ كائن حيّ بذلك، لا البوبريص ولا غيره.
يعتبر هذا الزاحف الصغير من أنظف الحيوانات على الإطلاق، ونادراً ما يقترب من الأماكن القذرة، ولا يعرف عنه أنه يحمل أو ينقل أي جراثيم مضرّة بالبشر. جلّ ما يفعله البوبريص المنزلي هو التنقل ليلاً على جدران البيت الداخلية والخارجية (وهو أمهر المتسلقين)، وخاصة قرب الأضواء حيث يتربص بالحشرات والعناكب التي كثيراً ما تنجذب للضوء. لذلك يسمّونه عند بعض الشعوب بـ»منظف المنازل» لإسهامه في تخليصنا من الحشرات المنزلية.

العلم للمصالحة

وهذا ما يقودنا الى تهمة «النجاسة»، فيضعنا في مواجهة بعض القيّمين على الفكر الديني ومع إشكالياته في هذا العصر. يتبارى الكثيرون في إظهار كيف أن العلم الحديث اكتشف أسباباً جرثومية أو طفيلية تدعم حقيقة ما يعتبره الدين «نجاسة». مفهوم النجاسة إذاً، ولو كان دينياً، لكنه مفهوم مادي وليس روحانياً. ألم يحن الزمن لتحويل مفهومَي الطهارة والنجاسة الدينيين الى مفهومين علميين يعادلان النظافة والقذارة على التوالي، فنتصالح مع هذا العصر العلمي المتقدم بحيث يمكن تحديد ماهية الطهارة والنجاسة بمقاييس مادية واضحة وتحقيق الطهارة وتجنّب النجاسة بوسائل مادية محددة؟
على كل حال، من أي زاوية علمية كانت، يخرج البوبريص المنزلى، مع كل أقاربه من وزغات العالم، بريئاًَ من كل التهم، ولا يجوز أخلاقياً إعدامه بانعدام الأسباب الموجبة.