شوقي أبي شقرا: طاحونة الذكريات | المتراقصة لغته حتى الرشاقة، ولا تعبَ إلا بها ومعها، طفلةً في القصيدة ولاعبةً تتشرقط أمام القيد والفكرة - اللغة العجوز، إذ تتحيّن لها الجمود والوقوع في غبار القصيّ والقديم، وكان منذ البداية يهجسُ بالجديد والخروج باللغة شعراً ونثراً من الغفلة والإبعاد والتراخي الذي اعتراها.


شوقي أبي شقرا قدّم قصيدته بلباس متفرّد، ناحتاً بتراكيب مبتدَعة بناءه الشعري الخاص، المصقول بفصاحة لها مناخها الأوحد، مطمئنةً في إطارها المحلي الذي يجنح بها إلى ظلال عامية تتوسّد بها الارتياح والدفق، بما يتناسب مع ذائقته وشاعريته. والشعر لديه طفل مُتراخٍ يركض في باحة المنزل والبرية ويشمّ اللحظات. وهو في ذلك يُخرج من خبايا الذاكرة ما يصطفي من صور وتفاصيل عالقة في جيوب المِريلة وفضاءات اللهو واللعب، ويقبضُ على ألوانها في زيت القنديل ورائحة البخور.
والقصيدة لديه تصفية وتذكّر حالم يواكب مفرداته، وإن انتحت إلى غريبٍ سريالي ميّز نصّه الشعري، وكل هذا في خضَم تجارب الشعرية العربية الحديثة التي كان لها مُرتكز أساسي في تجربة مجلة «شعر» التي كان أبي شقرا أحد روّادها وركناً جوهرياً فيها، حيث كتبَ، وترجم لشعراء فرنسيين خصوصاً، وكان فيها أصلاً وكلّاً كما أغرته الرحلة ومرافقوه فيها، فضلاً عمّا أسّس وراكم في عمله الصحافي في جريدة «البيرق» و«الزمان»، وصولاً إلى المشروع المفصلي المتمثّل في «ملحق النهار»، وصولاً إلى الصفحة الثقافية التي أسّس لها وقام بإدارتها ردحاً من الزمن، كان فيها أمين البوصلة ومقوّم الهدف، برؤيته وتصويباته وجهده.
طالت تجربة صاحب «ثياب سهرة الواحة والعشبة» وتعدّدت فصولها وتشعّبت، نشراً لكتب شعرية بداية مع «أكياس الفقراء» (1959)، ونثراً أدبياً في الصحافة من مجلّات ودوريات ثقافية، وكانت الصحافة الثقافية الأدبية بكتّابها والقائمين عليها والعمل الطويل فيها، بما لها من تشابك مع الهم اللغوي الجذري عند أبي شقرا، ميدانَه الأساس الذي لبث فيه وكان به.


في «شعب النهار» ينطلق إلى ذكر أسماء عديدة، فنجد مي منسّى، ونزيه خاطر، وعصام محفوظ...

تناول كثيرون أبي شقرا وتجربته الأدبية ومزاجها الخاص في مقالات عدّة، فضلاً عن دراسات جامعية، وكذلك ضمن التطرّق توثيقاً ونقداً إلى مجلة «شعر» وحركة الحداثة الشعرية ككل، إلا أن الشاعر نفسه ارتأى أن يعمل على مشروع ضخم يستذكر فيه حياته الشخصية وتاريخه الطويل، في الصحافة والشعر خصوصاً، وكان ذلك في كتابه الأخير «شوقي أبي شقراً يتذكّر ـ كلمتي راعية وأقحوانة في السهول ولا تخجل أن تتعرّى»، معرّجاً فيه على ما احتشد به عمره من تجارب ومواقف وشخصيات تبادلَ التأثُّر والتأثير معها.
جاء الكتاب كبيراً من حيث عدد الصفحات، إذ تخطّى 800 صفحة في فصول سبعة وخاتمة، إضافة إلى ملحق من الصور خاص به. في كتابه، يطوي أبي شقرا مرحلة الطفولة والفتوة سريعاً، مركّزاً فيها على تنقّلاته بين مناطق لبنانية من رشميا إلى عاريا حتى مزرعة الشوف، تبعاً لوظيفة والده الذي كان دركياً، والهروب من الحرب في تلك الفترة، وانتهاء بوفاة والده في حادث سير، وما لهذه الحادثة من تأثير عارمٍ فيه يمكن لنا أن نتلمّسه في النزوع نحو التصويب وكيف أنه ولِع بالتصحيح في الصحافة بقلمه الأحمر الذي يصفه في معرض الكتاب: «وقلمي الأحمر يتبعني إلى الأقصى، إلى حالةٍ من الرفاه والرخاء، وأنسكبُ على ما أمامي من مقالة أو قصيدة أو بحث أو نقد أو عرض، وإذا بي أنضح الحبر الخالص الذي يبعد الزؤان ويحصل على القمح الجيد والذي يحتوي على البركة والنعمة».
بعد هذه العجالة، ينتقل إلى الملحق و«النهار» ودعوة أنسي الحاج إلى التشارك معه في تأسيسه، ثم إلى ما حققه في الملحق المسمّى «الرياضة والتسلية»، وما كان في هذه المرحلة من تقلّبات ومواقف. يفرد أبي شقرا في معظم كتابه مساحات لتوصيف رؤيته لشخصيات مرّت به في محيطه الصحافي والأدبي، بداية من عنوان «شعب النهار» وفيه ينطلق إلى ذكر أسماء عديدة، فنجد مي منسّى، ونزيه خاطر، وعصام محفوظ وجاد الحاج وغيرهم، وإذ به يحمل «أكياسه» ويفرغ مما فيها شهادات عنهم، وهو هنا لا يكاد يغفل إلا القليل منهم، وهم هنا أصدقاء يتذكرهم ويصفهم بعينه تحت عنوان «أذكرهم»، كـ «عقل العويط وعبده وازن وروجيه عساف وعباس بيضون وجودت فخر الدين ومنير أبو دبس» وغيرهم كثير كثير. احتلت هذه الذكريات والأخبار أكثر من نصف صفحات الكتاب، ولا يملّ من ذكر مناقب لهم وخصائص، ويعود إليهم في «نفحات الصداقة»، فمن فنانين إلى كتاب وأصحاب دور نشر وزملاء له في الهم والمهنة والعيش، وهنا بيار صادق، وزاهي وهبي، ونوري الجراح، وبول شاوول، ووضاح شرارة، ورياض نجيب الريس على سبيل المثال. ومن خلال هذه الأسماء، يقطع مراحل ويخبر عن مواقفه وحركته وتنقّلاته ويسترجع أزمنة متفاوتة وكيف كان يتقلّب بينها. وفي مرورنا بكتاب المذكرات الضخم هذا، نحدس في أبي شقرا نزوعاً إلى العلو بتجربته ومدحها والتفاخر بما عمل عليه من تصويبات وملاحظات في النصوص التي كانت تقع بين يديه، وكيف أنه كان الموجّه والأستاذ في ذلك، فضلاً عن احتفاءاته المستغربة بنصوصه ولغتة وخدماته التي أسبغها على اللغة العربية.
وفي الفصول الأخرى من الكتاب، لا يقتصر على ذكر هذه الشاهدات بل يورد صفحات للحديث مطوّلاً عن تجربة شاعر أو كاتب صحافي أو أديب وما كانت آراؤهم بشعره وعلاقته بهم في الصداقة والعمل. ويعود في ما قبل النهاية إلى ما حازه من تكريمات وجوائز كتكريم الصفحة الثقافية الذي دعا إليه الشاعر أسعد جوان وتكريمه في أنطلياس والجامعة اللبنانية الأميركية. ثم يخصّص فصلاً أخيراً تحت عنوان «ما كان من بعض الصدى» الذي ضمَّ مقالات كُتبت فيه من قِبل أعلامٍ أدباء وصحافيين، كأمين ألبرت الريحاني وأنسي الحاج وسليمان بختي وغيرهم. ثم إلى الختام بمجموعة كبيرة من الصور التي تؤرّخ لمراحل حياته بما فيها من عائلة وأصدقاء وزملاء طريق ومحطات.