شوقي أبي شقرا: طاحونة الذكريات | ماءٌ إلى حصان الْعائلة [1962]

خلقْت أصْفر منْ شرْب الْعسل والْحبْر. ركضْت في الْجبال. تدحْرجْت إلى الْهاوية فوفّقني الله.

■ ■ ■

لا شوْك في الْغمائم. هي ورْدةٌ عاليّةٌ. أمْسكها في الْحفْلة الراّقصة والْعرْس وشمّ الْهواء.

■ ■ ■

أعلّم الْقطيع ركوب الدّراّجات الْهوائيّة ليسْبق الذّئاب والسّيّدة الْأرسْتقْراطيّة.
■ ■ ■

ابْنة عميّ راعيّةٌ في الْمتْحف. أخْتي تتزحْلق، تجرّ في طريقها الثّلْج والْمباريات الرّياّضيّة. ابْنها عشْبةٌ. أميّ صخْرةٌ أقْطع عليْها النّهْر.
■ ■ ■

أخْتصر الْفنْدق فيصْبح زهْرةً. أفْتح شرْشفها وثيابها الداّخليّة. أصوّر قنْديلاً. أنْقش خرافة فتاةً، تقع تحْت الصّليب، تمصّ غدّتها فراشةٌ.
■ ■ ■

يوْم الْجمعة الْعظيمة أجْمد أمام الصّليب. أصْبح صابونةً.
■ ■ ■

الْموسيقى تجْعل قلْبي أحْمر.
■ ■ ■

أطْبع أغاني أعلّقها في حنْجرة مطْربةٍ يهْزأ بها الزّبائن. يضْربونها بالْكراسي فتبْلع ريقها.
■ ■ ■

حدثتْ أعْجوبةٌ. طارتْ عنْزتي بدلْو الْحليب. أخذتْ معها الصّور والْأقْلام.
■ ■ ■

مات ابْنها السّكْران. ذهب غيْر واعٍ إلى الْقبْر. بكتْ عليْه، ذابتْ عصاها. شاهد الْعلماء صراخها يرْكض كالثّعْلب خلْف الْكواكب.
■ ■ ■

أرْتفع على قشّةٍ نحْو النّوافذ أطْفئ قنْديل شهْر الْعسل.
■ ■ ■

ترْكع جدّتي تذريّ الْبرْغل. الْحبوب تبْقى والريّش يطير كالْأطْفال إلى بيْتٍ آخر. تلْحقه كالساّحرة بالْمكْنسة، تصْنعه مخدّةً لوالدي. هو يبْرد إذا لمْ ينمْ عليْها.
■ ■ ■

أشْقر كالتيّن الْمطْبوخ، انْتحرتْ لجماله النّساء الْبيض والزّنْجياّت. تزوّج ولفّ أميّ بكبوّته الداّفئ فخلقني وصار يضْربني لأنيّ كسرْت الْمرْآة. والْمرْآة عالمٌ أبْيض نفْتل الشّوارب فيه.
■ ■ ■

أكل الثّعْلب ديكنا الْأحْمر فركض الْهمّ على ثياب جدّتي. شهقتْ منْه شهْقةً عظيمةً علّقتْ في صدْرها كالْأيْقونة حتىّ الْوفاة.
■ ■ ■

مطْبخها ينْفجر بالْخضر الطاّجزة والْبندورة الْحمْراء والرّماّن الْحامض. وخبْزها أشْقر ارْتوى من الصاّج. يأْكله الْجياع ويتدفّأون عليْه.
■ ■ ■

تلْمع في جدّتي غمامة الشّتاء والْموْز. صدْرها حانوتٌ تطْمر فيه الليّرات الْعثْمانيّة والْمجيدياّت، بجانب ثدْييْها اللّذيْن أرْضعا جيل عائلتي. لا تغْسل أسْنانها. لا تحْضر الْأفْلام. ترى رأْس الْإبْرة وهْي في نفقٍ أوْ قصْرٍ مهْجورٍ.

سنْجابٌ يقع من الْبرْج [1971]

ضفْدع أخْضر الْمجْهول
إفْتحْ أظافرك مرْوحةً
لتخْدش الْحياة
في بطْنها
ألْكلّ يشْهدون
أنّك سكْران تزول
أنّك ضفْدعٌ
تخاف الْغول
رجْلاك رخْوتان كاللّبن
وتتْركان بقعاً
في أخْضر الْمجْهول

الْغلْطة

ألشّمْس حمارةٌ في الْحساب. كلّ مساءٍ تغيب وتقع في الْغلْطة ذاتها.

زنْدي تشْرين الْأوّل

الْأحد هرب من الْخوريّ كالْعنْزة. وأسْرعْت أرْبطه والْجرس طنّ طنّ طنّ. ولماّ جاءتْ حبيبتي واشْتعل الْقداّس كان زنْدي تشْرين الْأوّل وعرقي في الْجرْن الْمقدّس وكانت السّماء عصْفورةً وخيْطاً.

ناي الْوادي

النّسيم التّقيّ الشّيْخ، فتح مدْرسةً في كعْب الْوادي. مثْل قيْثارةٍ يهبّ ومثْل نايٍ يكْتب. وتحييّه سمْعاً وطاعةً للْأمير أوْراق الْحور والدّلب في قبّعتي ودفاتري والشّرابة في طرْبوش الْباشا.

ممْلكةٌ

نامي، أنا أكْتب
نامي، أنا عصْفورٌ
نامي، أنا أصْدافٌ
نامي، أنا زوْرقٌ
نامي، خذيني
فالنّوْم معك ممْلكةٌ.

جمْهوريّة الْخيول

لوْ أنا رئيس الْجمْهوريّة، أرْفع الْخيول نبلاء وأعْطيهمْ سهولًا وحوافر ذهبيّةً وملاعق وسكاكين وشوكاً ومحارم فضّيّةً. وأعْطيهم الْإذاعة والْحدائق وأتْرك لهمْ شعْرهم الطّويل.

وأقْبض على الثّعالب، أغْزل سروجاً لها فهي الْخيول، والدّيوك هي الْفرْسان. وعنْدما أصفّر ترْكض ويفْرح الشّعْب وتراهنون وتصفّقون وأبْقى رئيسكمْ إلى دهْر الداّهرين.

مخالبك

أيّتها الْكآبة حذاؤك أحْمر، تسْرعين مثْل الْفهْد وتفوح مخالبك.

دجاج الْأرْض عبْدك وبرْج الدّلْو يرشّ عليْك اللّؤْلؤ والْكولونْيا.

رسالةٌ

قلْبي يتمشىّ وحْده
عارياً بعْد الْعشاء،
إنْتظريه يصْبغْك بالْحبْر الْأحْمر
ويصحّحْ لك غلْطة الْكحْل.

حجر الْأفق

أغْلقت الشّمْس دكاّنها وتثاءب الْبقْدونس والنّعْناع والْخروف. والْختْيارة حطبةٌ قعدتْ مغْلقةً لمْ ترْم حجراً إلى الْأفق.

الْجرّة

تدحْرج حجرٌ
لا، إنْسانٌ
لا، فراشةٌ
لا، قطّةٌ
لا، زهْرةٌ
لا، ممْحاةٌ
تدحْرجت امْرأةٌ اسْمها لا وانْكسرت الْجرّة.

يتْبع الساّحر ويكْسر السّنابل راكضاً [1979]

ريشاتٌ

أبْتسم، صحْن السّلطة والْحقول بيْن أسْناني، والْآفاق ريشاتٌ في قبّعتي، متفرّقةٌ كالْمعز في الْجبال.

أتاني

الرّماد في الْقناطر في الْمسْتشْفى في الْقساطل. فضّةٌ وسكوتٌ يسداّن الْمنْخار. طلبْت ماءً، أتاني كلْبٌ يعضّ، سراجاً أتتْني حيّةٌ راقصةٌ. زناّراً، أتاني سوْطٌ وسلّمٌ للنّزول.

جنيْنةٌ

نسْكت كأكْياس الرّزّ وموْقدة الْهوْل تلْفح سكاّن الْجنيْنة. والْخادم يؤلّف فنّ الطّبْخ، فنّ الرّحيل، وزْنه ديكٌ، يسْبق الصوّف والْفليّن. ينْحني للْملكة، لبحيْرتها والْكرْكدنّ. وحياتنا أقلّ منْ شعاع خاتمها، منْ موسى الْحلاقة، منْ صينيّة الضّيوف.

الْمسْرحيّة

إنّك الْمسْرحيّة، ثيابك ماعزٌ يمْلأ الْأرْض، والْخشبات راعيةٌ، والْحوار حباّت رماّنٍ. على الْمقْعد صفْعةٌ غافيةٌ كقطّة، جمْلةٌ قفزتْ من السّتار، وفي السّقْف صراخٌ يتدلىّ كجديلة بصلٍ. والْورْدتان، الْبطل، والْبطلة، يمرّ الْقطار فوْق غصونهما.

ملاقط الْعرْي

الأشْجار مآتمٌ، الْورق هجومٌ، الثّمار قنابل، يلْمع الْمدْفع أرْكع، أنْدم، تتْرك السّيّدات الْجزادين والْأمْشاط والْعلب، وملاقط الْعرْي تذوب.

سراج اللّيْل

الْحصان أجْمل منْ سرْجه. أذيب الْمهْماز في خصْره، والْكواكب في سرْعة ضوْئه. تفوح خطّتي كالشّمْس، سراج اللّيْل أحْرس ورْد الْمنْطقة.

براثن

أرْفع الْملْفوفة منْ غمْدها، يا للْمغامرة. أحبّكمْ في براثن الْأشْهر الطّويلة، بلوّطاً، أقسّمكمْ تفاّحاً، مقاطع، ليسعكمْ قلْبي.

حيْرتي جالسةٌ تفاّحةً على الطاّولة [1983]

السّكارى

على السّكارى يتدلّى الصّباح فاكهةً.
ينْزل خنْجر النّور في أجْسادهمْ
أحْمر بطّيخٍ.
ألْقشور إلى الْحمار،
ألْبزر إلى السّتّات،
جلْد الدّبّ إلى الْـمخْطوفات.
منْ مصايف كؤوسهمْ يرْمون
ألزّيْتون الْأسْود، والنّظام الْأسْود
والضّجر في منافضهمْ
أوْفْ أوْفْ
عيْناي يا موْلاي جمْرتان.

الشّمْع

رفعْت أصْبعي وارْتفع رأْس الْحصان،
لنْ أرْجع إلى الْإسْطبْل.
عبرْت الْإناء
ذاب الشّمْع الْأحْمر،
ذاب الْغجر.

الْحرْب

ألْجنرال آمر الشّمْس
بالْجلوس على ابْنتي، على الْيقْطينة.
يشْرق لحْمها يظنّ الْجنود
نجْمةً، وسامًا.
يخسرون الْبنْدق والْحرْب.

قارّتان

ألْـمشْكلةٌ كبيرةٌ كالغـاتو.
سنغيّر الْقرْميد والْجزْمات.
سوْف النّخْلات بيوتًا
والْبلح زوارق.
أزْياح الرّمْل، تجاعيدنا، فتياتٌ راقصاتٌ.
سوْف الطّبْشورة قارّتيْن،
ونفْصل الْأباريق عن الثّيران.

السّكك

في الْـمطر تتبلّل تذاكر الْقطار.
والصّبايا يحْملْن الْأسْئلة إلى
غرفهنّ قرْب الشّموع.
والْجوكي الْـمشْتعل ذنبه
على الْحصان ينْطفئ.
وفي الْـمطر تأْكل الْقطط الْـمحطّة،
ينْهب الْـمسافرون السّكك
وكلٌّ يتزحْلق على بطْن
ليْلى ومع عنق ليْلى.

وقْتٌ

سطْح امْرأتي أسْراب وزٍّ.
فمها يوسّع النّبْع،
عيْنها تأْخذ الطّريق،
تأْخذ الشّجرة
إلى عيْنها.
وقْت النّوْم ليْمونةٌ،
وراعٍ مجْروحٌ كاحله
وقْت الْغضب.

الْقارص

ألْختْيار الْأزْرق الْـمعرّق، الْـملْفوفة،
يمدّ يدّه إلى سرْج الْفتيات،
إلى مغاورهنّ،
يسْحب شعْراتٍ،
خيْطانًا، شاماتٍ
يقْرصهنّ ويشدّ.

غصْنٌ

سبّابتي كلّما زرعْتها
غصْبن غضبٍ في جنينة السّماء،
تنْزف كنارًا
تنْزف مسدّسًا
لا يقْتل
لا يأْكل لحْمًا.

لا تأْخذْ تاج فتى الْهيْكل [1992]

الْحفْرة

قامة التّخْت زارها السّرطان،
رجْلاها صاريةٌ زارها
ملْح الطّعام والْمشْي،
فتحت الْعروس الشّراع،
حفْرة الْبطْن،
ومغيّبات الثّقوب.
كمّ الْهزْهزة شراب الْغاية،
لؤْلؤة السّهوب،
حذاء النّعْناع.

الْخنْجر

ألْخريف خنْجر الْأمير،
يذْبح الشاّطئ،
ثياب الْعصافير في الْجرْن.
يتوسّخ وجْه النوّتيّ،
والضّوْء مهمّة الْقبْطان.

الْبراري

ألرّبيع مدينة الْأنْف
والْأقْحوان راكب الْقطار،
والنوّتيّ ستْرة الْعبْد، شحْم
ألْحوت، عطْر الرّسالة.
والْبراري فتات
ممْحاةٍ، هواءٌ ذبولٌ،
جرْذٌ يعضّ حزْننا
ألْياقوتة.

الْقفْل

حيتانٌ تخرْبط الْميزان
رعودٌ تحْرق فرْو الرّحاّلة،
لبن التّعاسة على الشّفة
غروب الزّهْرة والْقفْل.

الدوّريّ

حفْرة الْمساء لنصْطاد الْمساء،
والدوّريّ اللاّبس الْبيْدر،
يحْذف الْحزْن قشّة الصّنْدل،
ستار عموشتنا،
لا يعْطينا الْقمْحة، عويْناتنا
للشّمْس، لزوْرق الْانْبطاح،
مكْتباً في جنّة الشّطْرنْج.

الْعاج

وعْل الْعاصفة يرْعى الْأقْحواّنة
يشْرب اللّذّة.
والْعاج يدلّ الْفيل،
والْفاعل يلْحس زوْجته الضّمّة.
والسّعْفة تهزّ الْغرام،
وحواجب السّهْرة
تشدّ الْقوْس.

الْفليّنة

تنْغلق مضارب الْعيون
يذوب غرام الْعنْكبوت
وشمْعة الْخدْر
والْعظْمة الْمكْسورة
ياسمينة الْكتاّن،
ظهيرة الْأسف،
حشراتٌ كريمةٌ صحْن الدّخول،
والْحزْن الْفليّنة
يحْبس نهْر الزّبد.

آبْ

يسْكت الْمبْروم والْأحْمر،
الثّدْي والشّفة
والْأخْضر فرْو الْجمل
طياّرة الْبركة
على أصْبع آبْ.

الزّرافة

بيْنما الْحبّ
بيْنما الْفتاة تكْوي الْجسد
وترشّ الْمجرّة،
كانت الزّرافة تنْسى الْاسْم
عبير الْفضاء،
رسوم الطاّبق الْأسْفل
والْخلْخال.

النّقْطة

تتغذىّ نقْطة الْجسد
منْ غرام يدي،
عنْزة الْحسود منْ همْهمة الْأدْغال،
وليمة الْعجائز منْ لبن الْوشْوشة،
صحْن الْفراغ
منْ دموع الصّيْف
شورْباء ساخنةً.