لا يمكن الحديث عن دور الأستاذ الجامعي بتعقيداته وتشعباته بمعزل عن وظيفة الجامعة في إنتاج المعرفة، ودورها في التطوير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. لكن في الجامعة اللبنانية، يصعب بلورة دور الاستاذ في ضوء وظيفتها وأهدافها؛ فالجامعة الوطنية لم تنشأ وفق خطة مدروسة أو رؤية تربوية واضحة للدولة اللبنانية، بل نشأت بفضل نضالات الطلاب والأساتذة على حدّ سواء، من أجل تأمين مجانية التعليم العالي وديمقراطيته.


رغم ذلك، نجح الأساتذة الذين أسهموا في إنشاء الجامعة في صياغة دورهم في تلك المرحلة، وبالتالي دور الجامعة ووظيفتها. فكان لهم دور أساس في إنتاج المعرفة، وأسهموا في تطوير الجامعة الوطنية وفي وضع قوانينها وصياغة برامجها التعليمية في ضوء رؤيتهم لدورهم الوطني في تلك المرحلة، وكذلك في العمل النقابي حيث وقفوا جنباً إلى جنب مع الطلاب في وجه احتكار الجامعات الخاصة للتعليم. 
عندما نشأت الجامعة اللبنانية، كانت دار المعلمين العليا هي حجر الزاوية، ما يعني ارتباط الجامعة ارتباطاً وثيقاً بالتربية والتعليم اللذين يجب أن يكونا نتاج الجامعة الوطنية في المقدمة. ومن ثم تطورت الجامعة، وأنشئت الكليات ذات الطابع الإنتاجي، وأقصد هنا إنتاج المعرفة (كليات الحقوق والعلوم والآداب ومعهد العلوم الاجتماعية) لا الكليات ذات الطابع الخدماتي (الهندسة، الصحة، الصيدلة، الطب وإدارة الأعمال)، بهدف إنتاج المعرفة والعلوم في خدمة ما يلزم المجتمع لتطويره. فنشأتها وتطورها عكسا الوعي الثقافي للأساتذة والطلاب في تلك المرحلة. فلم يتم بداية إنشاء الكليات ذات الطابع الخدماتي، أي إن الجامعة الوطنية لم تتطور انطلاقاً من الحاجات الخدماتية وحاجات السوق الاستهلاكية. إن الأساتذة والطلاب في تلك المرحلة، كانت لديهم استراتيجية أكاديمية في توجيه سياسة التوظيف والعمل بخلاف ما يُطرح اليوم، حيث يتم تبرير إنشاء بعض الاختصاصات وتعديل البرامج التعليمية بـ«حاجات السوق»، والأجنبية قبل المحلية. يكفي النظر هنا إلى نسبة المهاجرين من متخرّجي الجامعات للتأكد من غياب السياسة التوجيهية في التربية والتعليم العالي.
ما أوردته ليس من باب الحنين إلى زمن النضالات والعمل النقابي الحق، بل من باب الإضاءة على واجب الأستاذ تجاه الجامعة الوطنية ومن خلالها تجاه الوطن، حيث إن دوره لا يقتصر فقط على القيام بواجباته الأكاديمية والبحثية وحسب، بل يتعداه إلى إدراك واجبه الأساس في الحفاظ على الجامعة وحمايتها وتطويرها عبر ممارسته لواجبه في العمل النقابي.
كلما سُئلت عن الجامعة التي أُدرِّس فيها، كنت أجيب بفخر بأنني أنتمي إلى كلية العلوم... إلى كلية كان الفضل لأساتذتها في إنشاء الصرح التربوي الأهم في لبنان. لكنني في الوقت عينه كنت أتساءل أين نحن اليوم ممّا قدموا؟ الكثير من الأساتذة اليوم لا يعلمون أن مجمّع الحدث الجامعي أنشئ بفعل الاستقالة الجماعية لأساتذة كلية العلوم، الذين كانوا متعاقدين آنذاك، والذين تركوا بغاليبتهم الجامعة الأميركية ليلتحقوا بالجامعة الوطنية براتب أقل بعشر مرات ممّا كانوا يتقاضونه. التفرغ إنما يكون بالانتماء إلى الجامعة من أجل السهر على مصلحتها ومصلحة طلابها وليس من أجل راتب في آخر الشهر. التفرغ للجامعة اللبنانية وليس فيها، لم يكن يوماً شعاراً أطلقناه خلال تحركاتنا من أجل التفرغ في الجامعة اللبنانية، بل يتعداه إلى الممارسة والتطبيق. لذلك كان لا بد من العمل "من أجل جامعة وطنية مستقلة ومنتجة".
فمنذ نشأتها إلى اليوم، عانت الجامعة الوطنية من إهمال الحكومات المتعاقبة ومن محاربتها ومحاولة تهميشها وإلغاء دورها الوظيفي الذي بات بحاجة إلى تعريف، وذلك من خلال مصادرة استقلاليتها الإدارية والمالية والأكاديمية في مجلس الوزراء، ومن خلال تدخلات أحزاب السلطة في تفريغ الأساتذة والتوظيف والمناقصات، وكذلك من خلال تقليص ميزانيتها المالية بحجة عدم إنتاجيتها، وإعطاء التراخيص لبعض الدكاكين الخاصة التابعة لأحزاب ورجال السلطة، وإعطاء المنح التعليمية لأبناء موظفي الدولة... واليوم يتم تخطّي قوانين الجامعة وأنظمتها الأكاديمية والإدارية، وإن طبّق بعضها يطبّق باستنسابية. كل ذلك وأستاذ الجامعة اللبنانية لا يحرّك ساكناً وكأنه غير معنيّ بكل هذه القضايا. من أجل هذه القضايا وغيرها الكثير الكثير، تداعى عدد من أساتذة الجامعة اللبنانية من كل الكليات والفروع "من أجل جامعة وطنية مستقلة ومنتجة" تستعيد وجودها ودورها وتحدد وظيفتها في المجتمع، في ضوء التطورات العلمية والثقافية المتسارعة.
*أستاذة في كلية العلوم
وعضو في مجموعة «من أجل جامعة وطنية مستقلة ومنتجة»