أيرلندية قح


نجحت منّة شلبي في تحدّي «كاثرين» المفتونة بالآثار والتاريخ الفرعونيين. لبست الممثلة المصرية هذا الثوب بحرفية عالية، بدءاً من إظهار الصعوبة في نطق الكلمات العربية، مروراً بشعرها وحاجبَيْها الأصهبَيْن وعينَيْها الخضراوين ووجهها الذي يملأه النمش، فضلاً عن تخليها عن الماكياج طوال المسلسل. مع الوقت، تُدخل منّة المتابعين إلى أعماق نفسية «كاثرين» التي برز اضطرابها وحيرتها الفعليين بعدما وطأت قدمها أرض «واحة سيوة» برفقة زوجها «محمود» (خالد النبوي) الذي ارتبطت به بعيد وصولها إلى المحروسة. هنا، تبدأ الحيرة: هل أحبّته فعلاً، أم أنّه جذبها لأنّه تابع للحضارة التي تعشقها، أم أنّ المأمور كان مجرّد جسر عبور للأيرلندية لتحقيق أحلامها؟ هكذا، نعيش الصراع معها، سيّما عندما تخرج عن طورها وتحاول تفسير التبدّلات التي تطرأ على شخصيتها وعلى علاقتها بزوجها التي وصلت حدّ الكره!

عاشق الخراب

على نقيض «الشيخ يحيى»، هناك «الشيخ صابر» كبير الشرقيين. إنّه الكفيف العاشق للحرب والخراب، والكاره للجميع (من غربيين وشرقيين)، والساعي الدائم للانتقام وبثّ الفرقة بين أهل «واحة سيوة» مستثمراً الخرافات التي يؤمنون بها. وهو يحاول تغطية مآربه الخبيثة بهدوئه المريب وتودّده الزائف. بسلاسة تامّة وتمكّن أدائي عالٍ، يستطيع الممثل المصري رشدي الشامي لعب هذا الدور الذي تتكشّف تركبيته شيئاً فشيئاً، ويبرز جلياً ما يدور في رأسه من خلال المونولوج الذي يتناول فيه موضوع الخوف الذي يسعى عبر بثّه في نفوس الناس السيطرة عليهم: «... الخوف لا الحكمة هو أساس الملك... لا بد من إخافة العامة دائماً بالعقاب والعذاب على الأرض وفي السماء لكي يعرفوا الطاعة والاستقامه... على الحاكم ألا يسمح للعامة بالحرية أو المتعة، بل عليه أن يعلمهم أن يجدوا المتعة فى الخوف».



عنوان التمرّد النسوي

سرقت شخصية مليكة (ركين سعد) بالتأكيد الأضواء من أبطال «واحة الغروب». الممثلة الأردنية (1989) جسدت أهم وأصعب الأدوار في العمل، ببراعة وحرفة عاليتين. نراها إمرأة متمردة على عادات بيئتها، تنشد دوماً الهروب منها. في العمل، تصبح «مليكة» أرملة مرتين. مرة حين يقتل حبيبها رضوان في المعركة بين الشرقيين والغربيين، وتنذر نفسها من بعده لمنع أي رجل بلمسها. ومرة ثانية، لدى إختيار «مجلس الأجواد» زوجها الثاني (معبّد)، إعتقاداً منهم بأن زواج الطرفين المتنازعين سينهي لغة الحرب. مليكة كانت النقطة المركزية التي تدور حولها أحوال «الواحة». بعد إجبارها على الزواج ثانية، حُمّلت مسؤولية الحرب التي قد تقع، بسبب هربها من بيتها بعدما أضحت أرملة (غولة) بوفاة الزوج الثاني. رأينا سعد بشعر منكوش، ومرة مرتب، وبتعابير صافية صادقة، تعبّر فيها عن مسار خلاصها، ومرة أخرى إمرأة متمردة تقف في وجه جدتها القاسية وتعلن رفضها للزواج ولأن تكون أرملة مسجونة لأربعة أشهر.

الشاويش الطيب


بدأ سيّد رجب مسيرته الفنية قبل حوالي ربع قرن. وخلال السنوات الماضية، يتصدّر الفنان المولود عام 1950 المشهد بواسطة أدوار مختلفة ومتناقضة يُبدع في أدائها. هذه السنة، يشارك رجب في ثلاثة مسلسلات رمضانية، هي: «غرابيب سود»، و«رمضان كريم»، و«واحة الغروب». في الأخير، يجسّد شخصية «الشاويش إبراهيم» المتقدّم في السن المصرّ على الخدمة العسكرية في «واحة سيوة» بسبب البدل المالي الجيّد الذي يساعده في تربية أحفاده. إنّه رجل مقدام ووفي وطيّب ومطيع، يعمل مساعداً للمأمور «محمود» ويسعى لحمايته من أخطار الواحة الغدّارة العالم بأدق تفاصيلها. على بساطة الدور، لفت رجب الأنظار بصدقه في التمثيل. ولعلّ أقوى مشاهده في المسلسل كانت تلك المرتبطة بسقوط صخرة كبيرة من المعبد على ساقه، ما يضعه في حالة صحية حرجة... بدءاً من صراخ الألم، ومرارة العلاج، وهلوسة الحمّى، وصولاً إلى الوجع الذي لا يُطاق.


صوت العقل


شخصية الشيخ يحيى أداها الممثل أحمد كمال ببراعة شديدة، إذ جسّد شخصية الرجل الهرم صاحب الحكمة، وسط الواحة المطبّلة للحرب وللخراب. شخصية تمثل صوت العقل، في وجه الرجعية والخرافة التي يؤمن بها أهل «سيوة». كمال الذي لم يتجاوز عمره في الحقيقة الـ 59 عاماً، لبس شخصية رجل ثمانيني وبرع في هذا الدور، وتجسيده حركة ومنطقاً. الرجل ذو الذقن الطويلة البيضاء، و«كبير الغربيين»، الداعي دوماً الى السلام ونبذ المعتقدات الخرافية، استمعنا اليه في محطات عدّة يتلو مونولوجات تتضمن عبارات خالدة، من ضمنها تساؤله الدائم عن ذنب السكان الأبرياء الذين يعيشون وسط «أناس يعشقون الحرب ويغنون لها»، ويتمتعون بمشاهدة «الأطراف المبتورة». كما دعم مليكة منذ البداية، ووقف في وجه قرار قتلها وحماها بعدما اعتقد الجميع بأنها سبب الخراب الذي حلّ بالواحة.




سافر حبيبي


كل عوامل «واحة الغروب» شكّلت عناصر جذب للمشاهدين، على رأسها الشارة المتفرّدة والملائمة لأجواء العمل الذي تدور أحداثه في القرن التاسع عشر. وقد ضجّت مواقع التواصل الإجتماعي بأصدائها الإيجابية. يحمل التتر عنوان «سافر حبيبي»، وكلماته من موّال تعود أصوله إلى التراث الصعيدي، فيما الألحان لتامر كروان. أما الصوت الساحر والقوي الذي يغنّيه، فهو وائل الفشني الذي يسير على خطى جدّه الشيخ طه حسن مرسي الفشني (1900 ــ 1971)، أحد أعلام تلاوة القرآن والمنشدين المصريين. ومما جاء في نص العمل: «سافر حبيبي وداخل لي يودعني/ بكى وبل المحارم وأنا قلت إيه يعني؟/ والله فراق الحبايب مُرّ يوجعني».