يستخدم تعبير «حقن الدم» لدينا بمعنى المصالحة، وتجنب العنف والدم. لكن الحقن في الأصل هو الحبس والجمع: «حقَنَ اللهُ دمَه: حَبَسه في جلده ومَلأَه به» (لسان العرب). بذا، فحقن الدم يعني في الواقع حفظ الدم ومنعه من التقطر والانهدار على الأرض. وقد كان يعمد في الماضي إلى حقن دم من يُعدم، أي جمعه في إناء محدد بالفعل.


فحين قتلت الزباء جذيمة الأبرش، حقنت دمه في طست: «ثم أجلسته على نطع، ودعت له بطست من عسجد، فقطعت رَوَاهِشه واستنزفته [استنزفت دمه]» (المسعودي، مروج الذهب). يضيف اليوسي: «وكانت الزباء لمّا احتالت على قتلته... قيل لها: احتفظي بدمه فإنه إن يضع وتقع منه قطرة بالأرض طلبت بثأره» (اليوسي، زهر الأكم في الأمثال والحكم). وأغلب الظن أن هدف النطع، أي قطعة الجلد التي كانت توضع تحت قدمي من ينفذ فيه حكم الإعدام، كان ضمان عدم انهدار أي قطرة من الدم على الأرض.
لكن لماذا كان يجب حقن دم القتيل في وعاء، ومنع سقوطه على الأرض؟
تفترض بعض المصادر العربية، وانطلاقاً من بعض الروايات لقصة الزباء وجذيمة، أن الدم يحفظ لأنه مفيد في علاج مرض الكَلَب: «ودعت بالسيف والنطع ثم قالت: إن دماء الملوك شفاء من الكلب». (الميداني، مجمع الأمثال). والحق أن هذا وهم، وأنه نابع من محاولة لتقديم تفسير لطقس لم يعد مفهوماً. ذلك أنّ قصة علاقة دم الملوك بالشفاء من مرض الكلب قصة مختلفة: «وذاك أنَّهمْ يزعمون أنَّ دماءَ الأشراف والملوك تَشفي من عَضَّةِ الكلْبِ الكلَبِ، وتَشفي من الجنون أيضاً» (الجاحظ، الحيوان). لكنها قصة لا علاقة لها بالقتل. فدماء الملوك تشفي من دون قتل. إذ يكفي أن تستخرج منها قطرة عبر جرح صغير في الإصبع. أما حقن دم القتيل، فيهدف إلى منع انهداره على الأرض. أي انه لا يحتفظ بالدم من أجل الاستفادة منه، بل من أجل ضمان عدم سقوطه على الأرض فقط، كما في المقتبس أعلاه: «احتفظي بدمه فإنه إن يضع وتقع منه قطرة بالأرض طُلبت بثأره». وهو ما تؤكده رواية الميداني: «أن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه» (الميداني، مجمع الأمثال).
إذن، فطلب دم القتيل، أي الثأر له، مشروط بسقوط الدم على الأرض. إن لم يسقط الدم على الأرض، فلا يحق المطالبة بالثأر. عليه، فحقن الدم طقس يهدف إلى إلغاء حق الثأر. ليس القتل بحدّ ذاته سبباً لطلب الثأر، بل انهدار الدم على الأرض. إن جمع الدم كله في إناء فلن يكون بإمكان أهل القتيل المطالبة بدمه.
فما معنى هذا إذن؟ لم يكن سقوط الدم على الأرض هو الحدث الأخطر؟ ولم تزيد خطورته عن حادثة القتل ذاتها؟

الدم والروح

الإجابة عن هذا السؤال نجدها في قول منسوب للخليفة عمر بن الخطاب. إذ روي أنه قال لرجل كان له خلاف معه: «والله لا أحبك حتى تحبَ الأرضُ الدم» (الزمخشري، ربيع الأبرار). وهو يقصد أنه لن يحبه أبداً، مثلما أن الأرض لا تحب الدم، ولا تقبله، مطلقاً. وهذا هو معتقد القدماء في الحقيقة. الأرض لا تقبل الدم عندهم. يقول الجاحظ تعليقاً على جملة عمر: «لأن الأرضَ لا تقبل الدّم، فإذا جَفَّ الدّم تقلّع جُلَباً» (البيان والتبيين). ودليل أنها لا تقبله هو أنه لا يسيخ في بطنها كما يسيخ الماء، بل يجمد ويظل فوق سطح الأرض. بذا فهي بشكل ما تمجّه وترفضه.


دماؤهم مطلولة، أي مهدورة،
لا ثأر لها مثل دم العذرية عند الزواج


من هذا المعتقد انطلقت فكرة «هدر الدم»، أي من واقع أن الأرض تمجّ الدم وتبصقه. وهذا معتقد موغل في القدم. فعندما قتل قابيل، أو قايين، أخاه هابيل في التوراة حلت عليه اللعنة: «فقال الرب: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض. فالآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك» (تكوين 4: 10-11). وكما نرى هنا، فدم هابيل يصرخ من الأرض التي فتحت فاها لتشربه وتعيده كالماء إلى أعماقها، لكنها لم تستطع. لقد ظل على السطح صارخاً باكياً.
والمشكلة تكمن في أن الدم هو النفس والروح: «النَّفْس: الرُّوحُ... [وشاهده] قول السموأَل: تَسِيلُ على حَدِّ الظُّبَّاتِ نُفُوسُنَا، ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ. وإِنما سمي الدم نَفْساً لأَن النَّفْس تخرج بخروجه» (لسان العرب). وهو ما يؤكده سفر التثنية في التوراة: «لأن الدم هو النفس، فلا تأكل النفس مع اللحم» (تثنية 12: 25). بذا فالذي يصرخ من على سطح الأرض إنما هي روح قابيل التي رفضت الأرض تقبلها، فظلت هائمة تائهة. وحين يحصل ذلك، تنطلق من روح القتيل، أي من دمه، هامة تطير في السماء نادبة صارخة مطالبة بدم القتيل. وهي لن تكف عن صراخها حتى يؤخذ بثأره: «كانت العرب تزعُم أن رُوح القتيل الذي لم يُدْرَك بثأْره، تصيرُ هامَة فتَزْقو عند قبره، تقول: اسقُوني اسقُوني، فإذا أُدْرِك بثأْره طارت» (لسان العرب). يقول ذو الإصبع العدواني:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي
أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
أي أضربك حتى أقتلك، وتصيح هامتك بالثأر. بذا فهامة روح هابيل هي التي كانت تصرخ، ويصعد صراخها من السماء، مطالبة بالثأر لدمه، لروحه.
بناء عليه، فالأمر كله يتقرر بحقن الدم وحفظه. إن حقن الدم فإن الروح لن تهيم، ولن تزقو هامتها مطالبة بالثأر. وقد فشلت الزباء في حقن دم غريمها جذيمة، إذ: «قطر من دمه شيء في غير الطست» (الميداني، مجمع المثال). وهذا ما جعل عمرو ابن أخته يطالب بدمه. لكن الزباء لم تنتظر عمرو كي يأخذ بثأر خاله منها، بل بادرت إلى تجرع السم من خاتمها، صائحة: «بيدي لا بيد عمرو».
هذا هو أصل تعبير حقن الدم، الذي يستخدم الآن كمجاز يعني المصالحة ووقف العداوات. لقد ضاع طقس حقن الدم الواقعي، لكن جملة «حقن الدم» الطقسية ظلت معنا حتى الآن كي تتحول إلى مجاز. لم يكن هذا التعبير مجازياً في الأصل، بل كان ممارسة طقسية واقعية يجري التأكد خلالها من جمع الدم في إناء ومنعه من الانهدار على الأرض. لقد تحجّر الطقس كله في جملة واحدة. ومن هذه الجملة تمكنا من استعادته.
لكن علينا أن نلاحظ أن تعبير «هدر الدم» صار يعني لاحقاً: منع المطالبة بالدم. فقد كان يقال: «أهدر السلطان دم فلان»، وهو ما يعني أنه سمح بقتله وبسقوط دمه على الأرض من دون تبعات، أي من دون أن يكون لأهله حق الثأر. وقال الشاعر عن قوم معادين:
دماؤهم ليس لها طالب
مطلولة مثل دم العذرة
وهكذا، فدماؤهم مطلولة، أي مهدورة، لا ثأر لها مثل دم العذرية عند الزواج. فهو دم لا ثأر له.
* شاعر فلسطيني