الهرمل ــ الأخبار

أكثر من 4000 شخص من أهالي الهرمل اجتذبتهم صفحة «حكي عالبلدي» على «الفايسبوك». عدد ضخم إذا ما قورن بعدد الناخبين (5831) الذين صوّتوا في الانتخابات البلدية قبل عام. الصفحة التي تأسست قبل نحو خمسة أشهر، وتعرّف عن نفسها بأنها تضم «مجموعة من أبناء الهرمل الساعين للوصول إلى رؤية عصرية وفاعلة للحركة الإنمائية»، باتت متنفساً لأبناء هذه المدينة البقاعية التي تعاني من «صفر رؤية؛ صفر أفكار؛ وصفر مشاريع بلدية» بحسب أحد المشرفين عليها.

في الهرمل، لا صوت يعلو شعبياً فوق صوت حزب الله. منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم تخيّب المدينة أمل الحزب يوماً، وغالباً ما صبّت أصواتها «صبّة» واحدة في صناديق الاقتراع لمصلحة لوائحه. لكن انتخابات 2016 شذّت عن القاعدة، وسجّلت ثلاثة مؤشرات لها دلالتها: أولها عدم تجاوز نسبة المقترعين الـ 28 في المئة؛ وثانيها خرق لائحة الحزب بمرشح منفرد (من حزب الله أيضاً)؛ وثالثها انتقال عدوى «المجتمع المدني» إلى الهرمل عبر ترشح لائحة مكتملة تحت اسم «معاً» في وجه لائحة تحالف حزب الله وحركة أمل وحلفائهما، ونيلها نحو ربع أصوات الناخبين.
في مدينة لطالما «التزمت التكليف الشرعي»، وتفخر بأن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله هو من خلع عليها لقب مدينة الشهداء الذين قدّمت العشرات منهم في وجه العدو الإسرائيلي وضد التنظيمات الإرهابية، ليست هذه المؤشرات تفصيلاً عابراً.


نحن في مدينة تدار
بذهنية قروية وبتبويس
اللحى: لا برنامج عمل
ولا خطط

لم تكن صرخة احتجاج في وجه الحزب على الكسل الذي «ميّز» عمل بلدياته السابقة. لكنها كانت، من دون شك، «أنّة» بأن «مش ماشي الحال»، وبأن إعادة ترشيح المجلس البلدي السابق نفسه، مع تعديلات طفيفة، «كان محبطاً جداً للناس، لا بل بدا وكأنه عقاب لهم، ومكافأة لمن لم يبذلوا جهداً إنمائياً» بحسب طبيب من أبناء المدينة. «الناس ملّوا. هم كانوا ولا يزالون وسيبقون مع المقاومة. لكنهم، بتراجع نسبة تصويتهم وبخرق لائحة الحزب بمرشح من الحزب نفسه وبإعطاء ربع أصواتهم للائحة المنافسة، أرادوا إيصال رسالة واضحة: نحن غير راضين عن واقعنا، لا الأمني ولا التنموي ولا الاقتصادي، ولا على أداء وزرائنا ونوابنا وبلدياتنا»، بحسب أستاذ ثانوي. أمر كهذا ــ يقول أستاذ جامعي ــ ليس عاديّاً في الهرمل، وفي البقاع عموماً، حيث مؤسسات الحزب، اليوم، تكاد تكون «أكبر رب عمل، وأكبر مانح للمساعدات عبر الجمعيات الخيرية التابعة للحزب»!
نائب رئيس البلدية عصام بليبل، أكد لـ«الأخبار» أن «لا مشاكل تذكر في المجلس البلدي... والشغل ماشي». وأوضح أن البلدية في صدد تنفيذ مشروعين مهمين، أحدهما لبناء معمل تكرير لمياه الصرف الصحي يخدم بلدية الهرمل والبلدات المجاورة بتمويل أوروبي يبلغ 20 مليون دولار، والآخر لإقامة معمل لفرز النفايات بتمويل من مجلس الإنماء والإعمار، «وبدأت الإجراءات للتلزيم»، إضافة إلى «شق طرقات جديدة وتحسين شبكة المياه في بعض الأحياء المستحدثة كمنطقة شحقونة، وتنفيذ أعمال تشجير وإقرار إنشاء حدائق عامة». علماً أن المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي يكتشف أن مشروعي التكرير الصحي وفرز النفايات لا يزالان مثار جدل بسبب الرفض الشعبي للأماكن التي كانت مقترحة لإقامتهما، فيما تبدو الشكوى عارمة من انقطاع المياه عن كثير من الأحياء (في الهرمل 13 نبعاً!)، ومن تسرب مياه الصرف الصحي في الشوارع، ومن عدم التزام البلدية بوعد حل مشكلة الكهرباء.
مصادر البلدية تؤكد «أننا أكثر البلديات نشاطاً في منطقة البقاع الشمالي». لكن، بالنسبة إلى المعترضين على الأداء البلدي: «هنا مكمن العلّة» بحسب مهندس من أبناء المدينة. ويوضح: «صحيح أن بلدية الهرمل قد تكون الأفضل، إذا ما قورنت بجاراتها في البقاع الشمالي. ولكن المشكلة أن المقارنة لا تصح هنا. الهرمل هي المدينة الأكبر في هذه المنطقة، ولا تمكن مقارنتها بقرى وبلدات أصغر منها حجماً بكثير». ويضيف: «العمل البلدي في المدن يحتاج إلى رؤية بعيدة الأمد تضع تصوراً لهذه المدن بعد عشر سنوات من الآن. نحتاج إلى أكثر من أعمال التزفيت والتشجير وما تقوم به البلديات القروية تقليدياً. للأسف، ما من رؤية لدى القيّمين على العمل البلدي هنا، ولا برنامج عمل أو خطة خمسية. تصوّر أنهم يعدوننا بتنفيذ مشاريع مُقرّة منذ عشرين عاماً من دون أخذ التغيرات الديموغرافية والاجتماعية في الاعتبار، ومن دون أي دراسة جديدة وجدية لهذه المشاريع وما إذا كانت لا تزال ذات جدوى».
«الهرمل تحتاج إلى كل شيء»، يقول ناشط في إحدى الجمعيات البيئية. «نحن بحاجة إلى خطة نهوض سياحي وطنية نشرك فيها الوزارات المعنية لاستثمار وجود نهر كالعاصي في المدينة وما يمكن أن يشكله من عامل جذب للسياح. بدلاً من ذلك، تكتفي البلدية بتزيين بعض الساحات العامة في بعض المناسبات والسلام... نحن بحاجة إلى حماية النهر من التلوث بعدما بات مهدداً باللحاق بالليطاني بسبب رمي البلدات المجاورة مياه الصرف الصحي قريباً من منابعه، فيما البلدية لا تحرك ساكناً ولا يدعو رئيسها إلى مؤتمر صحافي لفضح الأمر ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم». باختصار، بحسب المهندس الهرملي، «نحن في مدينة تدار بذهنية قروية وبتبويس اللحى».
طوت البلدية الجديدة ــ القديمة عامها الأول. كان مقدّراً أن تكون «أنّة» الانتخابات دافعاً لتفعيل العمل الإنمائي، خصوصاً أن لا انقسام سياسياً في المدينة التي تدين بالولاء التام لحزب الله. ولكن، على النقيض من ذلك، بقي الارتباك سيد الموقف، وطغى الشلل على العمل البلدي، ولم يُسجل مشروع واحد يمكن إدراجه في خانة «الإنجازات». «الوجوه الجديدة» التي طُعِّمت بها البلدية الحالية تبدي استياءً شديداً من الأداء البلدي. يقول أحد الأعضاء الجدد: «في لبنان البلدية هي الرئيس. وإذا لم يقرر التعاون مع بقية الأعضاء ومع المجتمع الأهلي فعلى العمل البلدي السلام». حتى الآن، وفي سنة واحدة من عمر المجلس، بعض الأعضاء الجدد يقاطعون جلسات المجلس البلدي، فيما لوّح آخرون بتقديم استقالاتهم أكثر من مرة، وآخرها قبل نحو شهر، قبل أن يحصلوا «في كل مرة على وعد من الريس بتغيير الأداء. لسنا متفائلين كثيراً. ولكن قررنا إعطاءه فرصة أخرى»... والمطلوب، بحسب العضو البلدي نفسه، «إطلاق دينامية جديدة، إما بإشراكنا بالقرار أو بتبديل بعض الوجوه».