لم تكن تحذيرات المدير السابق لمكتب مكافحة الارهاب في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، العميد نيتسان نورئيل، من أن «على إسرائيل أخذ تهديد (الرئيس السوري بشار) الأسد بالانتقام على محمل الجد»، أمراً عابراً، أو نتيجة نزعة تشاؤمية، أو حتى بفعل معلومات مستجدة عن قدرات عسكرية جديدة لدى الجيش السوري.


بل هي حصيلة قراءة لمسار التطورات التي شهدتها الأيام والأسابيع الماضية للجيش السوري وحلفائه، والرسائل التي انطوت عليها، وصولاً إلى الحزم والتصميم اللذين أظهرهما هؤلاء في مواجهة الخطوط الحمراء الأميركية.
المحطة التي يبدو أنها دفعت نورئيل إلى إطلاق هذا التحذير، بغض النظر عن حقيقة ما سيجري ميدانياً لاحقاً، هي البيان الذي أصدرته القيادة العامة للجيش السوري، بأن إسرائيل ستكون مسؤولة عن «عواقب وخيمة إذا ما كررت اعتداءات مماثلة تحت أي ذريعة».
مع ذلك، فإن تحذيرات نورئيل تعكس ما هو أبعد من ردّ على اعتداءات إسرائيلية موضعية، وتختصر القراءة السائدة في تل أبيب إزاء مجمل التطورات التي تشهدها الساحة السورية. وأبرز المعطيات التي يبدو أنها أكثر حضوراً لدى نورئيل، وغيره من القيادات الإسرائيلية، هو التصميم والنجاح الذي حققه حلفاء سوريا في تجاوز الخط الأحمر الأميركي، عبر استمرار تقدم الجيش السوري وحلفائه وصولاً إلى الحدود العراقية، والتواصل مع قوات «الحشد الشعبي» من الجهة المقابلة، واضطرار واشنطن إلى التكيّف ــ حتى الآن ــ مع هذا المسار. ويتخوّفون في تل أبيب من أن ينسحب هذا التصميم والتقدم باتجاه الجبهة الجنوبية ويحشر إسرائيل.


الخيار الأفضل
مساعدة الوكلاء والتدخّل في
بعض الأحيان

أيضاً، يدرك الإسرائيلي أنّ عدم رد الجيش السوري المباشر حتى الآن على الاعتداءات الموضعية مرتبط بمعادلة يلتزم بها جميع الاطراف... وترتكز في أحد أهم أعمدتها على أنه ليس من مصلحة الدولة السورية فتح أكثر من جبهة في آن واحد، ما دام بالإمكان احتواء مفاعيل الاعتداءات الإسرائيلية، وفشلها في إحداث تغيير جذري في مجريات الميدان. وتحضر في هذا الإطار محطات سابقة، تلقت فيها إسرائيل ردوداً على اعتداءات محددة في الساحة السورية، وكان يمكن أن تتدحرج نحو مواجهة واسعة... ولم يردع هذا السيناريو حزب الله في حينه عن الرد.
على خط مواز، يبدو أنهم في تل أبيب يتبنّون تقديراً مفاده أن تعزيز مكانة النظام السوري، والتغيّر الجذري الذي شهده الميدان لمصلحة الجيش السوري، يمكن أن يدفعا الرئيس الاسد إلى الرد على اعتداءات إسرائيلية محددة. وهو ما ظهر في كلام نورئيل في حديثه مع صحافيين، بالقول إن «الحكومة السورية... يمكن أن تكون في ظل وجود المظلة الروسية أكثر عدوانية، كما كانت قبل بضعة أشهر عندما أطلقت صاروخاً نحو إسرائيل».
وعلى خلفية التقدير بأن الاطراف جميعهم، بما فيهم النظام السوري، يحرصون على تجنّب مواجهة عسكرية واسعة، خلص المدير السابق لمكتب مكافحة الارهاب الى أن الردّ السوري «قد لا يكون كبيراً، لكنه سيبعث برسالة إلى إسرائيل أنه لا يمكن أن تكوني الوحيدة التي تهاجمنا».
في السياق نفسه، لم يكتف نورئيل بتقدير عام، بل خلص أيضاً إلى أن النظام السوري لن يهاجم إسرائيل بنفسه، بل يمكنه أن يرسل وكيلاً للرد على الحدود، حتى مع علمه بأن الجيش الإسرائيلي سيرد بانتقام سريع وقاس.
ويبدو أيضاً أن منبع المخاوف الإسرائيلية يستند إلى رؤية قلقة من مرحلة ما بعد «داعش»، وهو ما عبّر عنه نورئيل بالقول «بعد أن ينتهي داعش فإن جماعات أخرى مثل حزب الله ستستخدم مرتفعات الجولان كمنصة لضرب إسرائيل. عندما ينهون القتال بينهم فإنهم سيتحولون إلى إيجاد وسيلة لمهاجمتنا».
في الأجواء نفسها، نقلت «جيروزاليم بوست» عن الخبير في الشؤون السورية والإقليمية، البروفيسور ايال زيسر، قوله: «في خريطة الأسد الشاملة، الإيرانيون والروس أكثر نجاحاً، ولكن من الصعب معرفة إلى أين تتجه الأمور». ولفت أيضاً إلى أن كون الجماعات المسلحة هي التي شنّت هجوماً يوم السبت الماضي على الجيش السوري في الجولان «لا يُغيّر الصورة الاستراتيجية، (وإنما) الخشية هي أن يعود النظام ويده هي العليا في كل سوريا، ولذلك هناك قلق من أنه سيعود أيضاً إلى المنطقة المجاورة للجولان» المحتل. ويضيف زيسر أيضاً أن عودة الجيش السوري «تعني قوات إيرانية وحزب الله على طول [حدود] الجزء الذي ضمّته إسرائيل من الجولان، وهو وضع لا يطاق في نظر صنّاع القرار والمحللين».
إلى ذلك، أكد الرئيس الاسبق للموساد، افرايم هاليفي، المفهوم نفسه، مشيراً إلى أن «حزب الله والإيرانيين هم أعداء ألداء لإسرائيل، ولا يعترفون بحق إسرائيل في الوجود»، وينبغي أن لا تتسامح إسرائيل بتموضعهم في الجهة الثانية من الحدود مع سوريا. ولم يتردد هاليفي في التعبير عن عدم معارضته لتقديم إسرائيل دعماً عسكرياً مباشراً لـ«جبهة النصرة» في سوريا: «يجب على إسرائيل أن تفعل كل ما هو ضروري لتعزيز سياستها القاضية بعدم انتشار قوات إيرانية وقوات مدعومة من إيران على امتداد مرتفعات الجولان». مع ذلك، تبقى سابقة لبنان الأكثر حضوراً في وعي صنّاع القرار، والخوف من أن يؤدي ارتفاع وتيرة التدخل الاسرائيلي في سوريا الى تكرار تجربة لبنان التي ربما ستكون هذه المرة أشد بكثير على الأمن القومي الاسرائيلي، وهو ما دفع العديد من الخبراء حتى الآن إلى اعتبار أن الخيار «الأفضل مساعدة الوكلاء والتدخل فقط في بعض الاحيان، لأن المنطقة الأمنية [مسألة] خطيرة. نعرف ما حدث في لبنان، ولذا إسرائيل حريصة على عدم القيام بذلك مرة أخرى».