لا يكتمل زفاف دون أن تجتمع عشرات السيارات في طوابير تجوب الشوارع مطلقة أبواقها بوتيرة مستمرة وقد يكون هناك "برمة" للعريس وواحدة للعروس ووواحدة طبعاً للعروسين، وهل تكتمل الفرحة دون تفجيرعشرات بل مئات الألعاب النارية والمفرقعات ولو في أواخر الليل؟ (بالإضافة إلى ضوضاء الموسيقى) دون اكتراث للمرضى والعجزة والأطفال ومواعيد نوم الذين يُفترض أن يصحوا باكراً إلى أعمالهم (دون أن ننسى حرائق الأحراج التي تسببها الأسهم النارية).


عندما تصدر نتائج الامتحانات الرسمية لا تحلو للناجحين ولأهاليهم الفرحة إلا إذا قاموا بتفجير مئات المفرقعات من بداية إعلان النتائج وحتى ساعات الصباح الأولى (وقد يستمروا لعدة ليالي)، فخراً بنجاح يتحول هكذا إلى سقوط مريع في مقاييس الذوق والأخلاق، وتحليقاً في مستويات الاستهتار بأعصاب الناس والتعدي على حقوقهم في الراحة والسكينة. وهل هكذا يراد للطالب أن يتمم نقلته من المدرسة إلى المجتمع دون اثقاله بقيم احترام حقوق الناس؟
وهناك من لا يتمتع بالموسيقى إلا إذا حول سيارته إلى ديسكو متنقل ليجول بها موزعاً ذوقه الموسيقي الهابط على كل الأحياء، فترتجّ أرجاء المنازل عند مروره، خاصة أن الذبذبات المنخفضة (bass) والطبول هي الأكثر إزعاجاً وتصل إلى مسافات أبعد.
متخرجون بماذا؟
وصل الأمر إلى أن يقوم متخرجو ثانويات "الذوات" في آخر السنة الدراسية باستئجار سيارات والخروج فيها في قوافل في الشوارع والأحياء، مطلقين الأبواق مع الزعيق والصراخ احتفالاً بتخرجهم وكمعمودية انطلاقهم إلى المجتمع بهذا الشكل النافر والبشع، وغير آبهين بالأحياء السكنية والمستشفيات في مساراتهم. وهل من يحاسب المدارس الخاصة على هذه التربية الفاشلة وعلى الإمعان في إنتاج "مزعجين اجتماعيين" طالما المطلوب فقط هو القدرة على تلبية المتطلبات المالية لهذه المدارس التي لا تتوخى سوى الربح؟


الجهازان العصبي والدوراني لا يتعودان ولا تخف ردود فعلهما السلبية على الضوضاء



وهل بالإمكان نسيان جماهير الرياضة وهي تحتفل بفوز فريق محلي أو تبدي فخرها واعتزازها (؟) بانتصار فرق شعوب أخرى لا نرتبط بها عرقياً ولا ثقافياً ولا لغوياً، فيقومون بنفس طقوس الضجيج والإزعاج تشمل أحياءهم وكلّ من تصل إليه طبولهم وأبواقهم ومفرقعاتهم؟

إزعاج متجوّل

عندما يأتي الأمر للآليات تأخذ هذه الغريزة بعداً آخر لا يقل بشاعة. يقومون بتفريغ كواتم الصوت في آلياتهم حتى يصبح صوتها كالرعد الهادر، ولا تكتمل متعتهم بهذه الأصوات إلا بمرورهم في الشوارع والأحياء السكنية في المدن والبلدات والقرى. هم أحرار في حبهم للسرعات الجنونية في قيادة السيارات والدراجات النارية... ولكن ما سرّ أنهم لا يجدون المتعة إلا إذا أقلقوا راحة أكبر عدد من الناس؟
نرى على شوارعنا آليات الـ ATV المخصصة للمسالك والمناطق الوعرة. في الكثير من دول العالم هناك، لا يسمح لهذه الآليات بالتجول إلا في طرقات محددة بعكس الفوضى الحاصلة هنا، مع ما تنتجه هذه الآليات من ضجيج لا يمكن تحمله. وكثيراً ما تجد أطفالاً يقودونها ما يُظهر انعدام حسّ المسؤولية عند أهاليهم وعدم توخيهم مدى الإزعاج والخطر الذي يتعرضون له ويعرضون الناس له.
وهل يجد الناس مثلاً أعلى يُحتذى به غير نواب ووزراء وزعماء تملأ مواكبهم أجواء المدن بصفاراتها التي تخترق طبلة الأذن وتتراقص لها أدمغتنا ألماً؟ وهل يكون جمهورهم إلا مرآة لهم عندما يظهر زعيم على التلفزيون وجب أن يفجروا الأجواء بالمفرقعات والرصاص كطقوس لا غنى عنها؟!

المناسبات الدينية أيضاً؟

وبهذا الأسلوب ذاته يتمادى الكثيرون في تحقير المناسبات الدينية من مولد وميلاد وأعياد وما شابه. وتتزايد نشوة بعضهم في شهر الصيام فيقومون بتسلية صيامهم قبل الإفطار ويقطعون الوقت حتى السحور، محولين نهارنا وليلنا إلى جحيم من ضجيج الآليات والمفرقعات بما لا يُطاق. وهل يبذل رجال الدين جهداً كافياً أم أن جهدهم غير ناجع في الحد من هذه الظواهر البشعة في ظلّ غياب أي نصوص تقترب من تحريم هذه الظواهر بما أنه لم يكن هناك دراجات نارية وسيارات ومفرقعات في القرون التي يأتون منها بنصوصهم وأمثولاتهم؟ وهل هم راضون عن تحويل مناسبات التأمل والخشوع والتقوى إلى مجون ضوضاء يتلف أعصاب البشر؟ هل المفرقعات تراث ديني أو اجتماعي كي نتمسك به في مناسباتنا الدينية والاجتماعية؟ ولماذا لا نستعمل أقلها ضجيجاً وتفجراً وهناك الكثير منها؟ طبعا لا... لا متعة إلا في إزعاج الآخرين!
خرق التنظيم المدني
ألا يكفي الناس الضوضاء الناتجة من الفوضى المطلقة في (قلة) التنظيم المدني في كل المدن والبلدات والقرى حيث يختلط السكني والصناعي والتجاري والزراعي في نفس الشارع بل في نفس المبنى؟ هذا خرق واضح لأبسط مبادئ التنظيم الحضري في كل بلاد العالم الذي يحتم عزل مناطق السكن عن غيرها. وهو خرق للمخططات التوجيهية المتبناة لدى الكثير من بلدياتنا والتي تبقى حبراً على ورق!
لقد ساهمت مستويات الضجيج العالية في إنهاء تقاليد اجتماعية بسيطة مثل الجلسات الصباحية والمسائية على الشرفات وحلّ محلها، حتى في المناطق الريفية، إغلاق الأبواب والنوافذ وتشغيل المكيفات ليلاً نهاراً مع تأثيرات ذلك صحياً ومساهمته في التلوث الحراري في المدن، والضغط على موارد الطاقة المحدودة لدينا وقضمه لميزانية العائلات المحدودة الدخل.

الآثار الصحية والنفسية

إن مسألة الضوضاء ليست مجرد حالات "إزعاج" و"إقلاق راحة"، بل هي تعدٍّ مستمرعلى صحة الناس. بينت الدراسات، ولا زالت تؤكد، الآثار الصحية والنفسية للتلوث الضوضائي سواء كان مستمراً أو متقطعاً. هناك تأثيرات على حاسة السمع نتيجة لصوت إطلاق النار والمفرقعات قوية الانفجار، قد تشمل فقداناً جزئياً أو كلياً للسمع. أول تأثيرات الضوضاء (وخاصة الليلي منها) هو صعوبة النوم وتقطعه وعدم الحصول على نوم كاف وتغيّر نمط ومراحل النوم وخاصة النقص في فترة الأحلام (ما يعرف بمرحلة حركة العيون السريعة REM) الضروية جداً للصحة النفسية. وحتى أثناء النوم الفعلي، إذا حصل، يزداد إفراز هورمونات الضغط النفسي (stress) في الجهاز العصبي طالما هناك ضجيج يتعدى 30db، ويرتفع ضغط الدم وتتسارع نبضات القلب ويختل إيقاعه وتضيق الأوعية الدموية وتتأثر حتى كيمياء الدم ويتغير إيقاع التنفس. يتوهم الناس أنهم يتكيفون مع الضجيج مع مرور الوقت ليصبحوا قادرين على النوم مثلاً، غير أن الجهازين العصبي والدوراني (القلب والأوعية) لا يتعودان ولا تخف ردود فعلهما السلبية مهما طالت مدة التعرض للضوضاء. أي إن أجهزة جسمنا فعلياً لا يمكن أن تتعود على الضوضاء مهما طال الزمن. وكلما طال التعرض للضوضاء كلما كان أثره على الصحة مستديماً. هناك نتائج طويلة (ومتوسطة) الأمد لهذه العوامل هي قلة التركيز وضعف الفعالية في العمل وأثناء قيادة الآليات وعند الطلاب وازدياد العصبية بالتعامل مع الناس (استسهال ارتكاب الجرائم؟) وزيادة الأمراض القلبية والسكتات الدماغية.

المسؤوليات القانونية

إذاً الضجيج أيضاً يقتل وليس فقط التدخين وتلوث الهواء والماء... والرصاص الطائش؟ وعلى كلّ من يولد ضجيجاً، أو لا يعمل على الحدّ منه أن يعي مسؤولياته الأخلاقية والقانونية في هذا السياق.
هناك يأس من نية أو قدرة مؤسسات الدولة على رفع هذا الظلم عن الناس وهناك من لا يجد في أي منها ملاذاً. هل تستجيب الشرطة مثلاً لأي شكوى من أي مواطن على ضجيج في محيطه نهاراً أو ليلاً؟ هل تشمل توجيهات المسؤولين وناشطي التوعية الاجتماعية لشؤون السير أو البيئة عدم جواز استعمال أبواق السيارات ليلاً نهاراً على هذا النمط المجنون؟ وهل حاول المسؤولون ضبط أو قمع أي مخالفات تتعلق بإنتاج الضجيج؟ هل يتعدى ضبط الدراجات النارية "المخالفة" قضايا أوراق وتسجيل والتخلف عن دفع رسوم بدل منع ومصادرة ما لا يتطابق منها مع مستوى الضجيج المقبول؟
خلال السنوات الماضية كان هناك محاولات لفرز اللبنانيين في ثقافات متناقضة تفرقهم. ربما لم يتنبهوا إلى أن هناك ثقافة واحدة تجمعهم ولكنها للأسف ثقافة ممجوجة وهي .... ثقافة الإزعاج التي لا رادع أخلاقياً أو قانونياً لها!





ما هي المقاييس التي لا يجب تخطيها؟

يبدو أن معظم الناس لا يعرفون أن من حقهم التمتع بمستوى مقبول من الهدوء في نهارهم وليلهم. يقاس مستوى الضجيج بوحدات الدسيبل decibel أو db. من المتعارف عليه دولياً أن مستوى الضجيج في الأحياء السكنية يجب أن لا يتعدى 50db. لكن أكثر شوارع مدننا هدوءاً لا تقل عن 60 أو 70 db ومعظم شوارع مدننا تتعدى كثيراً هذه المستويات وللأسف لم يسلم الريف منها. تتخطى مكبرات الصوت في بعض دور العبادة مستوى 90db وخاصة خلال الليل بشكل يتخطى كثيراً "اليُسر" إلى "العُسر" ما يمكن اعتباره مخالفاً أصلاً لروح الدين وبعض النصوص (وبالإمكان برهان ذلك) وبمستوى صوت لا يمكن اعتباره ضرورياً لتأدية الأهداف الأصلية له.