مرت مهلة إقفال المقالع والكسارات والمرامل لحين أن تتقدم تلك غير المرخصة منها بطلبات الترخيص، كما كان مقرراً، من دون أن يتم الإعلان عن التدابير الجديدة. مما يدل على أن الموضوع لم يكن مدروساً كفاية كما أشرنا في حينه ("الأخبار" 28 نيسان 2017). وتقول مصادر في المجلس الوطني للمقالع والكسارات، إن عدد طلبات الترخيص التي وصلت إلى الدوائر المعنية في وزارة البيئة ضمن مهلة الشهر لم تكن كثيرة نسبة إلى حجم العمل غير المرخص في هذا القطاع!


كان آخر إحصاء لشعبة المعلومات قد أورد أن عدد المقالع (بما فيها حجر التزيين) والكسارت والمرامل بحدود الـ700 موقع. والمعلوم أن نسبة المرخص منها لا يتجاوز الواحد بالمئة. إلا أن مصادر أخرى تؤكد أن الأعداد أكبر من ذلك بكثير، وأنه من الصعب جداً إجراء مسح شامل حولها، نظراً إلى تشعّب الموضوع والقطاع، وإمكانية العمل به تحت أكثر من غطاء وأكثر من طريقة للاحتيال على القوانين، كمثل أخذ تراخيص بنقل "ستوكاج" أو شق طريق أو إنشاء سد أو رخصة استصلاح أرض أو ترخيص صناعي لصناعة أحجار الإسمنت أو مجابل باطون، أو أسباب أخرى لا تدخل في أيّ حسبان... وتشغيل مرملة أو كسارة! ولم يقل لنا أحد ما كانت الخطة لمعالجة هذه المواضيع حين اتُخذ قرار الإقفال، أو بعد أن انتهت المهلة؟!
يقول البعض إن عدم التقدم بطلبات تراخيص هو بسبب عدم إمكانية الانتقال إلى المخطط التوجيهي الذي أقرته الحكومة المرفق بالمرسوم 8803/عام 2002، وإن أكثر من محاولة لتعديل هذا المخطط لم تنجح، كان آخرها في عهد وزير البيئة ناظم الخوري، حين عرض طلب تعديل المخطط التوجيهي ولم يتم البتّ به في مجلس الوزراء. أما عن أسباب عدم الانتقال إلى المواقع المختارة في المخطط التوجيهي لا سيما في السلسلة الشرقية للمقالع والكسارات والمرامل في الشمال، إنها بعيدة عن سوق العمل، وإن بعضها يصعب الوصول إليه وغير آمن، وكلفة النقل عالية...إلخ، إلا أن هؤلاء لا يذكرون أن كلّ هذه المخططات التوجيهية وتعديلاتها، لم تكن فنية ولا بيئية في الأساس، وأن أحداً لم يحاول أن ينظم هذا القطاع كما يجب، إن لناحية وضع قانون بدل المراسيم التنظيمية المطعون فيها، أو لناحية حصر الاستثمارات في مشاعات الدولة أو في أملاك مصرف لبنان أو في الأملاك التي تشرف عليها المالية... إلخ. مع العلم، وكما بينت دراسة حزب البيئة اللبناني عام 2005، أنه في حصر المواقع، تسهل عملية المراقبة وتسهل عملية وضع الشروط لإعادة التأهيل مع كفالات مصرفية حقيقية ورسوم وافية، بالإضافة إلى بدلات تأجير الأراضي... فتصبح خزينة الدولة هي المستفيد الأول من هذا القطاع، وتتم حماية البيئة في الوقت نفسه وتحسين وضعها في بعض المناطق الجرداء، لا سيما أن بين الشروط الأساسية المطلوبة لإعادة التأهيل، التجليل والتتريب وإعادة التحريج.
فهل كان قرار الإقفال الكلي لجميع المقالع (باستثناء مقالع شركات الترابة!) والمرامل بهدف إجراء إصلاحات حقيقية وجدية في هذا القطاع؟ وإذا كان الجواب بالطبع لا؟ أصبح السؤال الإضافي، لماذا إذا كانت كلّ هذه "الهمروجة"؟
ثم عندما سألنا: ماذا ستفعلون مع المقالع والكسارات غير القانونية والتي أمعنت طويلاً في تشويه أجمل المناطق؟ وكيف سيتم إقفالها دون إلزامها بإعادة تصحيح التشوهات العميقة التي أحدثتها؟ وأين ملفات هذه المقالع؟ وأين نتائج مشروع "إعادة تأهيل مواقع المقالع في لبنان" عام 2006، الذي أدارته وزارة البيئة بكلفة ما يقارب 500 ألف دولار أميركي!؟
تلقف البعض السؤال بطرح إعطاء مهلة جديدة للمخالفين، ولكن هذه المرة لمدة سنتين، على أن يتقدم هؤلاء بطلبات ترخيص بإعادة تأهيل هذه المواقع مع كفالات مصرفية، لإصلاح الأوضاع، مع العلم أن بعض هؤلاء، كان يريد أن يستثمر هذه المواقع المشوّهة بتحويلها إلى مواقع لطمر النفايات، وتمّ الترويج لهذه الفكرة من بعض الإدارات الرسمية المعنية وبعض البلديات والجمعيات البيئية المبتدئة أو تلك المحترفة التهويل ثم طلب التمويل، مع ما لهذه الفكرة من مخاطر أكيدة على الثروة المائية لا سيما الجوفية منها، خصوصاً أن معظم مواقع المقالع والكسارات خارج المخطط التوجيهي وغير المرخصة، هي فوق مصادر المياه الجوفية!
فهل ستُؤخذ هذه الملاحظات والتجارب بالاعتبار، إذا جرت محاولة جدية هذه المرة لتنظيم هذا القطاع وإصلاحه؟

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]