بثلاث دقائق، خرج 17 طالب دكتوراه من «شرنقتهم» المعرفية إلى الحيّز العام، لمخاطبة جمهور لا يريد أن يسمع كلمات تقنية غير مفهومة تتعلق بأبحاثهم العلمية. هو ببساطة ينتظر أن يفهم ماذا يفعل هؤلاء في غرفهم المغلقة ومراكزهم ومختبراتهم، وكيف يسهم ذلك في تحسين حياته اليومية.


المسابقة التي نظمت في مقر المجلس الوطني للبحوث العلمية وضعت الطلاب أمام تحدي عرض أطروحاتهم خلال 180 ثانية، بلغة واضحة ومقتضبة ومقنعة وفكاهية في معظم الأحيان. المشاركون انطلقوا في عروضهم من نقاط تجذب الحاضرين إلى التحديات التي تهمهم قبل أن يتناولوا موضوعات الأبحاث التي يعملون عليها. فمثلاً لم تتطرق حسناء بو حرفوش، الطالبة في كلية الآداب في جامعة بيروت العربية، لدى الحديث عن بناء الذاكرة من خلال الأدب إلى تفاصيل التقنيات والوسائل التي يستخدمها المؤرخون في مقاربة محطات تاريخية في آخر 100 سنة، بل عرضت أغلفة الروايات والقصص التي تناولت بعضاً من هذه المحطات. تقول إنّ التمرين ضاغط، لكنه يحفّز على الوصول إلى مرحلة النضج الفكري، باعتبار أنه يجعل الباحث يخرج من منطقة «الراحة الأكاديمية»، أي الصف في الجامعة، أو المختبر، أو الشركة، أو مركز الأبحاث إلى الناس ويختبر قدرته على ترجمة أفكاره العلمية بكلمات مبسطة.
ديزيريه الحاج، الطالبة في كلية الصيدلة في جامعة القديس يوسف، لم تتحدث هي الأخرى في بحثها المتعلق «بتأثير تجليد اللحوم» عن الوسائل الكيميائية والبيولوجية التي تميز بين اللحوم الطازجة واللحوم المجلدة، بل تطرقت إلى النقاط التي تمسّ الأمن الغذائي المباشر للناس، أي الطرق التي يمكن أن تساعدهم في التمييز بين هذين النوعين، ولماذا يختار التاجر هذا النوع وليس ذاك النوع. الحاج وجدت في المسابقة «فرصة لتعريف المجتمع بعملنا كباحثين وكيف يمكن أن يسهم ذلك في تطبيق نتائج أبحاثنا». تقول: «كان تحدياً كبيراً بالنسبة إلي أن التزم الوقت المحدد لأعرض موضوع البحث الذي أعمل عليه وأحرص أن أبرز أهميته للمجتمع».


مخاطبة الجمهور واجبة على الباحث وليست ترفاً

أما الطالبة في الكيمياء الفيزيائية في الجامعة اللبنانية أليان الأسمر، فاختارت التركيز على التحديات في مجال الطاقة البديلة لدى الحديث عن بحثها المتصل بفهم ميكانيزمات تخزين الهيدروجين، ولم تشأ أن تشغل بال الحاضرين بالمركب الكيميائي الذي يخزّن هذه المادة.
مخاطبة الرأي العام واجبة على الباحث وليست ترفاً، هذا ما تقوله، الباحثة تمارا الزين، مديرة برنامج منح الدكتوراه في المجلس الوطني للبحوث العلمية. برأيها، لا يكفي أن يشكو الباحث من غياب التمويل للبحث العلمي، بل هو مطالب بالقول للمواطن البسيط ماذا يعمل فعلاً وما هو المردود الاقتصادي لعمله، ومن واجباته أن يذهب باتجاه المجتمع والإعلام. الخروج من التفاصيل العلمية وتعميم فائدة البحث العلمي وتبسيطه (vulgarisation) ليس مهمة سهلة، وتنطوي على كثير من القلق، بحسب الزين، وليس كل الباحثين قادرين على فعل ذلك.
أن يسألنا المواطن «شو اخترعتوا؟» وهل هناك قنابل نووية في الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية هو نتيجة طبيعية، كما تقول الزين، لابتعادنا عنه، واكتفائنا بتنظيم المؤتمرات العلمية المتخصصة التي لا يشارك فيها سوى بعض المهتمين.
قد يكون تنظيم مهرجان للعلوم مثلاً في الشارع والقيام باختبارات حية أفضل بكثير من مؤتمر تبقى النقاشات فيه أسيرة الجدران. تقول الزين إن هناك واجباً للقول للمواطن إن أي منتج يستخدمه هو عبارة عن عصارة لتراكم أبحاث علمية، والقصة ليست اختراعاً بقدر ما هي تراكم معرفة. تقول إن الهدف الأساسي من المسابقة هو تذكير الأكاديميين بدورهم وهو الخروج من نخبويتهم، وبأن الذكاء قائم أساساً على التبسيط والتعميم. ليس كافياً، كما تؤكد الزين، أن يملك الباحث إلهاماً علمياً، بل هو مطالب بأن يلتزم المواطنة والاهتمام بمشاكل مجتمعه.
رئيس جامعة الروح القدس الكسليك الأب جورج حبيقة، رأى أنّ جمع طلاب يبحثون في مجالات متقدمة مثل الدكتوراه ويتشاركون الفرضيات والإشكاليات العلمية الكبيرة، هو حدث مهمٌّ بحد ذاته، فندرب الباحثين على التواضع والمثابرة والبحث عن الحقائق الهاربة ذات الأبعاد المتعددة، وأن لا يكونوا «متشرنقين» في مجال بحثهم، وأن يقدموا الإشكاليات خلال وقت قصير، ما يعني تعليمهم أن الوقت ثمين وعليهم الابتعاد قدر الإمكان عن الثرثرة والإطالة والإعادات المملة التي يتفنن البعض بها أحياناً.

* للمشاركة في صفحة «تعليم» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]




تعريف المسابقة

«أطروحتي في 180 ثانية» مسابقة تنظمها الوكالة الجامعية الفرنكوفونية منذ 2012 في سبعة بلدان فرنكوفونية هي: بنين، الكاميرون، ساحل الحاج، هاييتي، جمهورية الكونغو الديموقراطية، السينغال وتونس. هي المرة الأولى التي تنظم فيها مباراة نهائية وطنية في لبنان، وهي موجهة، بحسب المدير الإقليمي للوكالة أرفي سابوران، إلى طلاب الدكتوراه الفرنكوفونيين، وتسهم في الارتقاء بقيمة المجتمع العلمي الفرنكوفوني، وتعطي الباحثين فرصة لقاء باحثين من دول ومجالات اختصاص أخرى. شارك في المسابقة طلاب من الجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية وجامعة الروح القدس ــ الكسليك وجامعة القديس يوسف.
سيتواجه الفائزون في النهائيات الوطنية المنظمة في الدول المشاركة أثناء المباراة النهائية الدولية التي ستجري في 28 أيلول المقبل، في لييج في بلجيكا.
ومن لبنان فازت بالمباراة الطالبة في جامعة بيروت العربية حسناء بو حرفوش.