بدأت نتائج الامتحانات الرسمية بالظهور تباعاً، الشهادة المتوسطة تليها شهادة الثانوية العامة بفروعها الأربعة. الأعصاب مشدودة والتوقعات تفيض سلباً وإيجاباً، وأحلام الناشئة والشبيبة تتسابق لاحتلال موقع في الواقع حول ماذا سنكون وأين سنكون، وكيف سينتهي بنا المطاف المدرسيّ؟
منذ أيام خلت كان هؤلاء التلامذة أنفسهم يواجهون مغبة تجربة مصيرية في توجيه مستقبلهم الواقف على عتبة السقوط قبل أن يبدأ، في وطن مفتوح على أشكال متعددة من الصراعات والمآزم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي تنعكس على تركيبة المجتمع نفسه الذي ينتمي إليه هؤلاء.
أيام قليلة باقية والتلامذة يجلسون على قلق متعدد المصادر والأوجه. منها قلق النتيجة نفسها، ومنها قلق الدرجة التي حققها البعض والتي فاقت التوقعات أو أتت أقل منها، ولكن الأثقل من ذلك قلق صورة الذات أمام الآخرين والأهم الانهيارات التي قد تلي صدور النتائج.
لكن يبدو القلق الأكثر عمقاً والذي له تأثير أكثر حفراً في الواقع الراهن والملموس هو السؤال ماذا بعد ذلك؟

بالنسبة إلى شهادة «البريفيه» تحديداً، فالأمر يكاد يكون محسوماً بين خيارين قد يبدو ثالثهما بعيداً جداً عن الواقع اللبناني الذي يفرض معايير قيمية صعبة للارتقاء في ظلّ التطور العلمي والتكنولوجي العالمي، وأعني هنا خيار التسرب وترك الدراسة نهائياً لكسب الرزق، وإن كان ذلك يحصل على مضض لدى بعض الفئات الأكثر فقراً وجهلاً في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة. أما واقعياً فالأمر يكاد يكون شبه محسوم لصالح أحد الخيارين الأولين نظراً إلى عقلية اللبناني نفسها ولبنية الثقافة اللبنانية ومركباتها المعقدة. وهو إما أن يجد التلميذ المراهق نفسه وقد حقق نجاحاً سحرياً ما يخلق لديه حافزاً طبيعياً وتلقائياً لمتابعة الارتقاء في سلم التحصيل العلمي التلقائي للوصول إلى الجامعة، وبالتالي النفاذ إلى سوق العمل وفقاً للاختصاص الذي اختاره، وإما متابعة تحصيله في التعليم المهني والتقني (كي لا يخرج من دون شهادة) ومن ثم النفاذ إلى سوق العمل. وهذا الأمر يتوقف على النجاح أو الرسوب في شهادة البريفيه.


الصورة تبدو قاتمة وموحشة في مجتمع يعرف كيف يطبق
آلية الاصطفاء
هذه بذاتها إشكالية المجتمع اللبناني الذي ينظر إلى شهادة التعليم المهني والتقني نظرة دونية، لا يرضى بها الأهل لأبنائهم وقد أشبعوا وعي أبنائهم أنفسهم بهذه الفكرة التي ترى في التعليم المهني عيباً اجتماعياً لا يليق بمستوى انتماءاتهم العائلية، من دون معرفة أو وعي مسبق أهمية هذا القطاع وحاجات سوق العمل له، نظراً إلى غياب الدراسات التي تُعنى بمخرجات النظام التعليمي وحاجة السوق له، وهذا ما يفسّر إشكالية ارتفاع معدلات البطالة لدى الشباب اللبناني، وأيضاً لغياب التوجيه المدرسي والمنهجي حول أهمية القطاع المهني والتقني وضروراته الملحة للمجتمع من أجل إعادة بنية اقتصادية ومهنية كفوءة على غرار إعادة بناء الدول الاوروبية لاقتصاداتها بعد الحرب العالمية الثانية. وأيضاً لعدم اهتمام الدولة بهذا القطاع وتطويره من حيث المراكز وتوزعها بين المناطق ومن حيث المناهج والاختصاصات. وأيضاً لتشدّد المواطن اللبنانيّ في التعلق بقيم بالية لا ترى في العمل قيمة مضافة، بل ترى في الشهادة فخراً وتثبيتاً للذات وإن كانت ستعلّق فقط على الحائط ولا تؤدي إلى الهدف المطلوب بل ستؤدي إلى عُظام أكثر في شخصية هذا المجتمع المتراكمة تراكماً كمياً وليس نوعياً.
أما بالنسبة إلى طلاب شهادة الثانوية العامة فالصورة تبدو أكثر قاتمة وموحشة في مجتمع يعرف كيف يطبق آلية الاصطفاء وفق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب فقط على مستوى خضوعهم للامتحان الرسمي نفسه الذي يبدو تعجيزياً أحياناً فيصبح مصفاة وليس اصطفاءً عادلاً.
*أستاذة علم اجتماع ومعالجة نفسية