من واجبات الأكاديميين أن يخاطبوا الرأي العام.

إذا كانوا أساتذة جامعيين يكون التعليم واجبهم الأول، والبحث واجبهم الثاني، فتكون مخاطبة المجتمع والرأي العام واجبهم الثالث. فإذا كانوا لا يمارسون التعليم تكون هذه المخاطبة هي واجبهم الثاني، بعد البحث.

رجال الدين يفتون، ورجال السياسة يخادعون، ما بين مصالح وكسب للجمهور، وأهل المهن يطالبون، والنقابيون يكررون، وأصحاب المؤسسات وأرباب العمل يسوغون، والموظفون لا يتكلمون وإذا تكلموا يسوغون أيضاً، والشباب أهل الحراك المدني يريدون تغيير السياسات الحكومية... إلخ.
كلّ من هؤلاء يمثّل، عن حق، الدور الذي يلعبه في المجتمع. فلا تطلب من السياسي أن يكون نقابياً أو يكون مع الحراك المدني، فإذا فعلها فقل إنه يخادع. ولا تتوقع من النقابي الذي أصبح وزيراً إلا خطاباً سياسياً، ولا تطلب من شباب الحراك المدني رفع مطالب نقابية، فإذا فعلوها ضاعوا. ولا تتوقع من رجل الدين أن يكون رأيه وضعياً. هذا من سُنة المجتمع والسياسة وتوزيع الأدوار.
وفي كل قضية من القضايا العامة يكون لهؤلاء ولغيرهم مواقف وبيانات تدافع عما يقومون به، أو يجيشون الجمهور للتحرك أو التأييد أو كسب الرضا. وهذه المواقف تفعل فعلها لدى الجمهور العريض، فيمشي فيها، أو يهاجمها، أو يتجاهلها.
ثمة دور غائب أو خجول في كلّ ما يكتب ويُقال في قضايا الشأن العام هو دور الأكاديمي. الرأي العام، كما كلّ الجهات المتفاعلة إزاء هذه القضايا، يريد أن يسمع أو يقرأ رأياً أكاديمياً. وإذا لم يكن يريد فيجب أن يسمع أو يقرأ هذا الرأي، حتى يصل إلى اليوم الذي يريد فيه هذا الرأي.
والرأي الأكاديمي ليس مكتوباً عليه أن يكون حيادياً، كما أنه يفقد أكاديميته إذا كرّر أقوال أصحاب المصلحة أو أصحاب الشعارات وأصحاب الأحكام المسبقة والأجوبة الجاهزة. خطاب الأكاديمي ميزته الأولى والأساسية أنّه يلتزم بمعياري الحجة والدليل، وميزته الثانية أن يكون حراً. لا غضاضة في أن يُفهم كلامه على أنه منحاز إلى جهة أكثر من الأخرى. ولا غضاضة في أن يكون الأكاديميون متفقين على رأي واحد. ولا غضاضة في أن لا تؤتي آراؤهم ثمارها على المدى القصير. المهم أن يسهم الأكاديميون في إعادة طرح الموضوع بطريقة عقلانية، أو أن ينقلوا النقاش العام من مستوى النزاع والتعسف إلى مستوى المداولة.
ربما هناك عشرة آلاف أكاديمي في لبنان، موزعون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات المتنوعة. من بين هؤلاء لا نقرأ ولا نسمع في وسائل الإعلام التي تخاطب الجمهور الواسع آراء تعكس وجودهم وحجمهم. وباستثناء قضية البيئة والنفايات فهم لم يقدموا مساهمات تذكر.
ألم تكن قضية مثل سلسلة الرتب والرواتب مثلاً، تستحق آراء أكاديمية، تحلل الأجور وتطورها أو تقارن أجور المعلمين في لبنان بأجور المعلمين في دول أخرى، أو تربط الأجور بالفعالية أو بالعدالة، من وجهة نظر سوسيولوجية، أو اقتصادية، أو من وجهة نظر مقارنة، أو من وجهة نظر مدارس فكرية وإدارية مثل الإصلاح المبني على المدرسة... إلخ.
ألم تكن قضية المعلمين المتعاقدين تستحق التحليل من دون مجاملات؟ وتراجع التعليم الرسمي؟ والجامعة اللبنانية؟ والترخيص للجامعات الخاصة؟ والامتحانات الرسمية؟ والممارسات السياسية في المدارس؟ وتقليص المناهج؟ وتدني أداء الطلاب اللبنانيين في الاختبارات العالمية؟ إلخ.
نحن الأكاديميون مقصرون. إما لأنه ليس لدينا شيء نقوله في مواضيع يمكن أن تكون من صلب اهتماماتنا الأكاديمية، أو لأننا نتجنب، فنسكت، أو نجامل فنغير إفادتنا مع تغير الوسط الذي نتكلم فيه. ومع هذه الاحتمالات يكون محقاً من شاء الشك في البحوث التي نقوم بها. وإذا استحق الشك بالبحث يستحق الشك أيضاً بالتعليم الذي نقدمه.
* باحث تربوي