القاهرة | في بداية 2016، أصدرت هيئة كبار العلماء في الأزهر بياناً تهاجم فيه نقاد التراث وتصفهم ﺑ «المتمركسين.. حيث فتحوا الأبواب أمام المادية الجدلية والتاريخية والزندقة والإلحاد، والبنوية والتفكيكية والحداثة وما بعد الحداثة». كأن ذكر التيارات الفكرية والمعرفية المختلفة هو سبة بحد ذاته.


هل ثمة تغير في خطاب الأزهر في السنوات الأخيرة أم أن خطابه كان مبنياً دائماً على الأساس النظري ومنظومة الفقه نفسيهما؟ وهل هناك فرق بين الخطاب الديني الرسمي ممثلاً في الأزهر وبين خطاب الجماعات المتطرفة؟ لماذا إلى الآن ما زالت الآراء التنويرية غير مقبولة رغم أنها كانت «توفيقية» (محمد عبده وطه حسين)، ورغم احتفاء الدولة الشكلي بهذه الرموز؟
طرحنا هذه الأسئلة على عدد من الكتاب والمثقفين المصريين، في محاولة لمعرفة آرائهم حول خطاب الأزهر وعلاقته بالدولة.
يوضح الروائي والمترجم أحمد عبد اللطيف العلاقة بين الأزهر والسلطة: «خطاب الأزهر في عمقه ليس إلا انعكاساً لتفكير ديني رجعي ومنغلق، انغلق على نفسه مع الفقه والتفسير القديم ولم يتح لنفسه فرصة للتأويل.


الخطاب صار أكثر قوة في التعبير عن تشدده إزاء القضايا الإسلامية المثارة في العقدين الأخيرين
لذلك فكل المحاولين لتطوير هذا الفكر وتمدينه كانوا دائماً من أعدائه». ويضيف: «لكن الأخطر أمر آخر، أن الأزهر تحول إلى ذراع للسلطة، وأقصد أن مهمته اختلفت عن أسباب تأسيسه وبعيداً عن الصورة المثالية للأزهر الذي عادى الاحتلال البريطاني، فالأزهر كان ولا يزال العدو الأول للدولة العلمانية، وفي الوقت عينه هو الجسر الذي يصل الدولة الدينية بالدولة العسكرية». لا يرى عبد اللطيف فرقاً بين خطاب الأزهر وخطاب العسكر فهما «وجهان لعملة واحدة، هما مؤسستان محافظتان، الأولى تحافظ على المجتمع باسم الدين والثانية باسم الوطن». كما لا يرى أيّ اختلاف بين الأزهر وأي جماعة متطرفة، «بالأحرى هو جماعة متطرفة رسمية تتمتع بحضور جماهيري. لذلك، فالأزهر ليس ضد داعش، لكنه لا يرفع السلاح مثلها، لأنه دولة وله أساليبه الدبلوماسية». يؤكد عبد اللطيف على ضرورة البدء من المناهج الأزهرية إذا أردنا «إصلاح الفكر الديني»، لكنه يستبعد إمكانية هذا الإصلاح.
تتساءل الباحثة أسماء العماوي حول قدرة خطاب الأزهر على تجديد الخطاب الديني. ترى أن هذه ليست المرة الأولى لذيوع مسألة تجديد الخطاب الديني: «ظهرت الطبعة الأولى من هذا التجديد منذ ما يزيد على المئة عام مع رواد النهضة العربية أمثال محمد عبده والطهطاوي. رغم محاولة هؤلاء الرواد الجادة تحقيقه - وكان أغلبهم من المنتمين للمؤسسة الأزهرية العريقة - إلا أنه لم يخرج عن كونه مجرد إجراء شكلي لم ينطوِ على أدنى تأسيس معرفي». توضح العماوي الأسباب النظرية وراء هذا الإخفاق: «ظل هذا الخطاب النهضوي هو الصورة التمثيلية للخطاب الديني التقليدي القديم متمثلاً بالتحديد في الخطاب الأشعري عقائدياً، والخطاب الشافعي فقهياً، رغم إصراره في سبيل تحقيق التجديد المزعوم بضرورة التمييز بين النصوص الدينية متمثلة في القرآن والسنة النبوية على وجه التحديد، وبين هذه النصوص التراثية التي باتت تعرف الآن بالخطاب الديني، وهي من قبيل النصوص التفسيرية والفقهية....». اجتهادات تراها العماوي ناتجة عن الحوار مع النص الأصلي (القرآن) ومشروطة ﺑ «سياقها الاجتماعي/المعرفي التي صيغت فيه». تشير العماوي إلى أن التحدي الذي يجابه الإسلام اليوم يتعدى مجرد الاكتفاء بالتمييز بين النصوص الدينية والتراثية إلى «ضرورة معرفة كيفية التعامل مع النصوص الدينية ذاتها».
يتحدث الكاتب والباحث جمال عمر صاحب كتاب «أنا نصر أبو زيد» عن السياق التاريخي لانحسار خطاب التجديد ونشوء جماعات العنف: «مع كل هزيمة وتراجع تواجهها شعوبنا منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى الآن، يخفت صوت تيار التجديد، ويعلو صوت تيار استعادة الإسلام النقي. تيار الأسلمة، وبعد الحرب العالمية الأولى، تحول إلى تنظيمات وجماعات مُسلحة». يوضح عمر المشكلة الكامنة في بنية خطاب التجديد أو «بذرة العطب الداخلية» كما يسميها، وتؤدي إلى تهميش «التجديد» في مقابل «الأسلمة»: «كل عمليات التجديد من محمد عبده حتى الآن، تتم على نفس الأسس اللاهوتية/ العقائدية التقليدية. وبدون التعرض لهذه البنية اللاهوتية نقدياً، ستظل عمليات التجديد مجرد محاولة إنتاج واقع مُختلف مستخدمين ماكينة التفكير نفسها».
يتحدث الكاتب والأكاديمي حاتم حافظ عن الأسباب الآنية وراء التحول في خطاب الأزهر في السنوات الأخيرة: «يمكن القول إن الخطاب الأزهري الرسمي صار أكثر قوة وأكثر صراحة في التعبير عن تشدده إزاء القضايا الإسلامية المثارة في العقدين الأخيرين». والسبب وراء هذا التشدد هو «شعور الأزهر بعد 30 يونيو بأنه تخلص من منافسيه (الإخوان والسلفيين) وخصومه العلمانيين، ويرى أن الدولة ممثلة في نظام السيسي عليها دفع ضريبة بالوقوف إلى جواره ضد أي هجمات علمانية».
يرى حافظ أن ما يربك المشهد هو إلحاح الدولة منذ ثلاث سنوات على ضرورة تجديد الخطاب الديني من دون أن تتخذ خطوة واحدة بإزاء هذا التجديد. ويتساءل: «الدولة تلوّح بالتجديد لمواجهة التطرف الديني للإخوان، لكن كيف يمكن أن تفعل ذلك بإسناد مشروع التجديد لمؤسسة (الأزهر) على رأسها رجل أصولي حتى النخاع. الإمام الطيب له مؤلفات يستشهد فيها بسيد قطب بطريقة تشي بأنه صاحب مكانة لديه. كلنا نعرف أن قطب أحد مؤسسي الفكر التكفيري في مصر وفي العالم الإسلامي». ويضيف: «قدم الطيب بلاغاً بشخصه ضد إسلام بحيري رغم أن الأخير قبل أن يناظر كل من الشيخ الأزهري (وهو المستشار الديني للسيسي) والشيخ الجفري، مجتمعين، في حلقة تلفزيونية كانت لتكون طفرة في مسار الحوار بين الأزهر والعلمانيين لولا حبس البحيري بعدها، إضافة أيضاً إلى الطريقة التي بات الإمام الطيب يتحدث بها في اللقاءات الإعلامية عن المطالبات بتجديد الدين وغربلة التراث ومراجعة البخاري. وهي طريقة متعجرفة وعدائية للآخر ورافضة لأي حوار، رغم أن الإمام الطيب كان يسوّق نفسه قبل الثورة (قبل أن يستقيل من عضوية حزب مبارك) كرجل دين مستنير دارس للفلسفة في فرنسا!».