القاهرة | المعركة الرئيسية التي تخوضها مؤسسات السلطة في مصر، هي «تهذيب المواطن». انشغال السلطة بالتهذيب تجاوز مسألة الإعلانات والبرامج، إلى تشريع قوانين هدفها ليس إعلان «ممنوع التفكير»... بل ممنوع الهمس. ولا تتوانى مؤسسات الدولة في المسارعة إلى إصدار قوانين هدفها المزيد من القمع والتنكيل، والمزيد من الهيمنة والمكتسبات!


الأسبوع الماضي، أعلن الأزهر الانتهاء من مشروع قانون جديد بعنوان «مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين». يأتي القانون في إطار المطالبات المستمرة بتولي المؤسسة الدينية – يحلو لبعضهم وصفها بالوسطية - مهمة تجديد الخطاب الديني، وربما لأنه يصعب عليها إنجاز ذلك، قررت المزايدة على الجميع بقانون يمنع الهمس. لم يمنع قانون الأزهر عمليات التكفير العشوائي، أو استخدام الدين في القتل باسم الله، بل جاءت مواده شديدة التعميم والتجريد، مما يمتد إلى الحقوق الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولة، من بينها «حرية العقيدة». إذ نصّت مادته الأولى على «منع التطاول على الذات الإلهية والأنبياء والمرسلين والكتب السماوية تصريحاً أو تعريضاً أو مساساً أو سخرية» من دون تحديد مفهوم «التطاول»، مما قد يمنع بذلك مثلاً أي دراسة «أكاديمية» عن النصوص الدينية! ويمنح القانون نفسه حصانة ضد النقد ومبادئ الدستور أو المواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر. وتنص مادته الرابعة على أنّه «لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير والنشر والإبداع لنقد الأديان أو القيام بعمل ينطوي على ما يخالف أحكام القانون».
حسب الدكتور صلاح فضل، سيترتب على هذا القانون «منع أي تشكيك في مفاهيم الجهاد ودار الحرب والإسلام وإباحة القتل وسفك الدماء، والحث عليها باسم الدين كما تفعل الجماعات الإرهابية لأنها من المسلمات الدينية عندهم». ثم إن التوسع في نصوص الحظر مثل «لا يجوز طرح المسائل العقائدية محل الخلاف أو التعارض للنقاش العلني في وسائل الإعلام» و«حظر امتهان الأديان أو التعدي على أي من الكتب السماوية بالتغيير أو الإتلاف أو التدنيس»، و«حظر نشر الصور والحوارات والمواد الإعلانية إذا كانت تحض على الكراهية أو تعمقها» أمر يثير التساؤلات، لأنها كلمات مطاطة غير محددة تستخدم عادة للقمع والتضييق وخفض سقف الحريات ووضعها تحت وصاية الرقباء ومفاهيم رجال الدين المتعصبة والمحافظة بحكم طبيعتها وتقاليدها.
ومن هنا يعتبر فضل القانون «محاولة لسد منافذ الفكر العلمي والتأويل الديني والأبحاث المجتهدة في الفلسفة، وغلق الباب أمام مسألة مراجعة الثوابت طبقاً لتطورات العلم والعقل والمعرفة». وهو ما يؤكد عليه محمد أبو الغار مؤسس «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي»: «في مقدمة القانون، يطالب المشرع بعقاب من يقدم تأويلات محرفة لبعض نصوص الكتب السماوية، وعبرت عن اجتهادات خاطئة لبعض المفسرين للدين. هذه المقدمة مستفزة وتعبر عن فكر تآمري. هل كل مفكر أو مجدد يحاول حل أزمة الدين الإسلامي في العصر الحديث التي لم تحل بالطريقة التقليدية في التفكير، يعتبر من الخوارج؟ وأيام كان الأزهر منفتحاً على كافة المذاهب والتفسيرات وهي أمور موثقة ومعروفة، كان يجد حلولاً لمتناقضات الأشياء ولم يكن الفكر الوهابي مسيطراً. لكن سيطرة الفكر الوهابي على مصر والأزهر جعلت التفكير أحادياً». يشير أبو الغار إلى أن «التأويل علم هام، ودراسات شخصيات هامة مثل نصر أبوزيد ومحمد أركون كانت هي الأمل في خروج الفكر الإسلامي من المأزق الذي نعيشه. حين تأتي بقانون يمنع التأويل أو يقول إن هذا تأويل جيد أو غير خاطئ، فأنت تمنع حرية الدراسات الإسلامية وهذا مخالف للدين والقانون والمستقبل».
ومن جانبه اعتبر عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول الدين في جامعة الأزهر أن الذين يعترضون على مشروع القانون «لا يريدون استقراراً لمصر، لأنه حين نفتح الباب أمام الذين يزدرون الأديان ويسيئون إليها، تزيد نار العداوة في نفوس المواطنين، مما يؤدي إلى نشر الفتن والقلاقل والاضطرابات في المجتمع».
القانون الذي سلمه شيخ الأزهر لرئاسة الجمهورية سيصل إلى البرلمان، لمناقشته، لكن هل سيمر؟
لنكن متشائمين، سيمر كما مرت عشرات القوانين. وسيظل مهدّداً للتفكير والإبداع تستخدمه السلطة لمصلحتها وقتما تشاء، كما حدث في قوانين مشابهة مثل خدش الحياء الذي أُقر في السبعينيات لمنع الناس من قضاء حاجاتهم علانية في الشارع! لكن تمت محاكمة أحمد ناجي به بسبب جملة في رواية!