القاهرة | يقال إنّ أبسط التعريفات للفارق بين الدولة المدنية والدولة الدينية، هو أنّ الأولى تشهد تحكم السلطة السياسية في المؤسسة الدينية، بينما في الثانية تتحكم المؤسسة الدينية في السلطة السياسية. تحت هذا التعريف البسيط، تكمن مفاهيم أقل بساطة وأكثر تركيباً.


فقد تكون السلطة السياسية نفسها مدنية أو عسكرية، وإن كانت مدنية فقد تكون ذات مرجعية دينية مما يؤثر على مدنيتها، كما أن ثمة دولاً لا تشهد ـ ظاهرياً - تحكّم السياسة في الدين ولا الدين في السياسة، بل فصل بين الأمرين، وإن كان ثمة من يرى أن ذلك الفصل التام ــ في عمقه ــ ليس إلا خرافة مدنية. وعلى أيّ حال، طالما انتمت مصر إلى النوع الثاني في التعريف البسيط، أي تحكمت دائماً سلطتها السياسية في مؤسستها الدينية، منذ العهود الأولى في مصر القديمة، حين كان الفرعون يمزج السلطتين معاً فيعلن نفسه إلهاً، مروراً بالاحتلالات العسكرية المتتالية في العصور الوسيطة، وصولاً إلى الدولة الحديثة لمؤسسها القوي الماكر محمد علي، الذي التف حول «خبرات» مؤسسة الأزهر، فأرسل المبعوثين إلى الخارج ليعودوا بخبرات أوروبية تدير البلاد، ثم جمال عبد الناصر الذي أراد «تحديث» الأزهر فأنشأ فيه الكليات العلمية – التي اعتبرها الأصوليون علمانية - وأمم الأوقاف مصدر الدخل الأساسي للمؤسسة الدينية، وصولاً إلى الرئيس السيسي، الذي قطع حديثه فجأة في خطاب عيد الشرطة في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي، ليتوجه إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب بعبارة «تعبتني يا فضيلة الإمام».
عبارة غريبة في ألفاظها ونطقها على الهواء في خطاب يشاهده الملايين، كأن رئيس السياسة يعرب عن عجزه ــ أو على الأقل تعبه ـ- من رئيس المؤسسة الدينية. لكن ليس أغرب من العبارة نفسها إلا مناسبتها، ففي عيد الشرطة، الذي صار منذ ثورة 2011 محل نزاع حول اليوم «25» الذي أصبح عيداً للاثنين: للشرطة وللثورة التي اندلعت - في الأساس - ضد ممارسات الشرطة. في ذلك العيد السياسي بامتياز، قرر الرئيس فجأة أن يناقش مسألة الطلاق الشفوي، أمام كاميرات التلفاز. شكا الرئيس من ارتفاع نسب الطلاق واقترح على الهواء أن لا يتم الاعتراف بالطلاق بمجرد التلفظ به بل فقط عند توثيقه. أعلن الرئيس اقتراحه ونظر إلى شيخ الأزهر في الصف الأول، فهز الشيخ رأسه هزة أدرك الرئيس مغزاها، وفهم أنها أبعد ما تكون عن الموافقة، فأنهى الرئيس اقتراح بكلمته «تعبتني».
لكن الشيخ لم يكتف بإيماءة الرأس ولا باعتراف الرئيس بالتعب، بل اجتمع بعد 10 أيام مع هيئة كبار العلماء في الأزهر وأصدروا بياناً يرفض الاقتراح، وينكر حتى السبب الذي ذكره الرئيس كمسوّغ لاقتراحه. فقال البيان صراحة إن ليس ثمة علاقة بين الطلاق الشفاهي وارتفاع نسبة الطلاق، وإن الطلاق يقع بالألفاظ الشرعية «دون اشتراط شهادة أو توثيق». وبعد ثلاثة أيام من الاجتماع والبيان، أعلن «مجمع البحوث الإسلامية» وهو هيئة أخرى من أبرز هيئات الأزهر، اتفاقه مع بيان هيئة كبار العلماء. كانت تلك «لا» كبيرة من الأزهر لم تعد سلطة السياسة بعدها إلى الموضوع، وإن تبرع بعض رجالها بمحاولة الرد في البرلمان، عبر اقتراح قانون لتحديد مدة بقاء شيخ الأزهر على مقعده، وهو اقتراح لم يغادر قاعات البرلمان. إذ أفشلته لجنة الشؤون الدينية في المجلس نفسه، وهو في كل الأحوال اقتراح مشكوك في دستوريته، أو صار كذلك منذ وقت ليس بالبعيد، إذ أن حصانة شيخ الأزهر، واحدة من آثار قليلة بقيت من تفاعلات «ثورة يناير».
يقرّ الدستور المصري المستحدث بعد «يناير» بأن الأزهر «هيئة مستقلة، ويختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه». كما أن «شيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل». تلك العبارات التي تضمنتها المادة 4 في دستور 2012 وانتقلت – كما هي – إلى المادة 7 في دستور 2014، مثلت «المكتسب» الوحيد المتبقي تقريباً من ثورة يناير، أو هكذا يعتبرها الأزهريون على الأقل، بعدما أنهت عهداً طويلاً بدأته ثورة يوليو 1952 في «تعيين» شيخ الأزهر بواسطة رئيس الجمهورية. الآن، بعد الدستور الجديد، يتم اختيار الشيخ من قبل هيئة كبار العلماء المكونة من 40 عالماً أزهرياً «من المذاهب الفقهية الأربعة». تولى الشيخ الطيب مشيخة الأزهر في 2010، قبل 10 أشهر من ثورة يناير. وبعد تغيير الدستور، صار غير قابل للعزل مدى الحياة ولم يعد من حق الرئاسة اختيار شيخ جديد. بعبارة أخرى، يجوز القول إنّ الطيب هو المسؤول الكبير الوحيد من الحقبة المباركية الذي شهد وضعه الرسمي رسوخاً أشد وقوة أكبر. ليس غريباً إذاً أن «يتعب» الرئيس الذي لا يستطيع إغضاب الأزهر في الوقت الذي يخوض فيه حربه مع الأشد أصولية والأكثر تسييساً. لا يستطيع الرئيس أن يرغم الأزهر على تحقيق أحلامه في «الثورة الدينية»، بل سمح له بمطاردة الكتاب والباحثين إلى درجة السجن والتنكيل، وهو ما لم يحدث في عهد أي رئيس جمهوري سابق. كلهم حاوروا الأزهر وصارعوه لكنّ أحداً منهم – قبل السيسي ــ لم يعترف بالتعب.